الصفحة 307 من 677

رابعًا: تعظيم دور العقل وجعله حاكمًا لا محكومًا:

... ذلك أن أرباب الكلام قد عظموا العقل وارتضوا أحكامه فيما لا يصلح أن يكون فيه حكمًا، فقد كانوا يطرحون المسألة، ثم يعرضونها على العقل -عقل الواحد منهم طبعًا- فيستجمع لها الأدلة كما يتراءى له لإثباتها على وجه من الوجوه، وحين يصل إلى نتيجة وينتهي إلى قرار يعمد إلى الأدلة السمعية فيؤول منها ما لا يوافق نتيجته -إن كانت من آيات الله- أو يرد الحديث بدعوى تناقضه مع العقل أو أنه مبني على الظن.

... يتضح مذهبهم هذا في موقفهم من خبر الواحد مثلًا، فإنهم أنكروا حجيته مطلقًا في الاعتقاد، وأما في باب الأعمال فقد جعلوا من شروط قبوله أن يكون في متن الخبر ما يجوزه العقل ومالم يحتمل تأويلًا صحيحًا فخبره مردود لاستحالة هذا في العقول [1] ، ولهم في رد الأحاديث بهذا المنطق فضائح يرجع إليها في مثل كتاب"تأويل مختلف الحديث"لابن قتيبة.

... وقد وافق بعض كبار الأشاعرة المعتزلة في نسجهم على هذا المنوال، فقالوا إن اليقين لا يثبت إلا بالعقل، وأن المعتمد هو العقل عند التضارب.

... وإنما أُتى هؤلاء من ظنهم أنه قد يكون هناك تعارض بين دليل عقلي قطعي ودليل نقلي صحيح، ومن ظنهم أن الدليل النقلي لا يتضمن الدليل العقلي، مع أن القرآن مليء بالأمثال وهي أقيسة عقلية، ثم كيف تتعارض نصوص الكتاب والسنة مع العقل والكل من عند الله سبحانه؟!.

خامسًا: اتخاذ الجدل والمراء وسيلة للبحث في الدين:

... ذلك أن منهج علم الكلام أصلًا بني على:"إن قالوا ..قلنا"أي طريقة الجدل والمراء والخصومة، فهو لازم مذهبهم، عليه بنيت أصولهم، كما رأينا من قبل في تعريف الغزالي له من أنه"إلزام للخصم بلوازم مستنتجة من مقدماته"، وكم أدت بهم هذه الطريقة إلى التزام ما لا يلزم، والانتهاء إلى نتائج قد لا يرضونها أصلًا، وإن أقروا بها خصومة وجدلًا وإشفاقًا من الفرار والتراجع أمام الخصم.

(1) ... مختصر الصواعق للرازي 1/252-256.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت