الصفحة 308 من 677

سادسًا: النظر إلى الشريعة نظر النقص والافتقار:

... ذلك أن متكلمة المعتزلة قد اعتقدوا في الشريعة التضارب والتخالف، فقد يثبت المعنى الذي يتوهمون في عقولهم، ثم يأتي الحديث الصحيح معارضًا لذلك المعنى، فتجدهم يفرون منه فرار المجذوم من الأسد، ويودون لو أن الحديث لم يرد أصلًا، وإن لم يجدوا مندوحة من قبوله لجأوا إلي تأويله أو رده بحجة أنه حديث آحاد مثلًا، وقل مثل ذلك في الآيات القرآنية التي تثبت عكس مقرراتهم.

... وإنكارهم للأحاديث الصحيحة الثابتة وردهم لها بدعوى التناقض أكثر من أن يحصى، وقد جمع ابن قتيبة الكثير منها في كتابه"تأويل مختلف الحديث"وأوضح وجه الدلالة فيه، ونجتزئ بإيراد مثالين على ذلك.

1.قالوا حديث يدفعه النظر وحجة العقل رويتم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أنا أحق بالشك من أبي إبراهيم، ورحم الله لوطًا إن كان ليأوي إلى ركن شديد، ولو دعيت إلى ما دعي إليه يوسف لأجبت" [1] . قالوا هذا طعن على إبراهيم، وطعن على لوط، وطعن على نفسه عليهم السلام.

... قال أبو محمد (ابن قتيبة) : فأما قوله:"أنا أحق بالشك من أبي إبراهيم عليه السلام"فإنه لما نزل عليه { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } قال قوم: شك إبراهيم ولم يشك نبينا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنا أحق بالشك من أبي إبراهيم، تواضعًا منه وتقديمًا لإبراهيم على نفسه، يريد: إنا لم نشك، ونحن دونه فكيف شك هو ..." [2] ."

(1) ... رواه البخاري ومسلم وأحمد.

(2) ... تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة /65 ، ويقصد - صلى الله عليه وسلم - في الجزء الأخير من الحديث أنه لو دعي للخروج من السجن لمقابلة الملك لخرج قبل ظهور الحجة التامة بالبراءة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت