الصفحة 305 من 677

... هكذا جهد المتكلمون أعظم الجهد لإثبات ما أقر به المشركون، ومن ثم كانت الفجوة واسعة بين مفهوم التوحيد في العقيدة الإسلامبة ومفهوم التوحيد الكلامي عند أربابه، وهذا أدى بدوره إلى ذبول مفهوم الطاعة والاتباع، حتى اقتصر الأمر على مجرد أداء الشعائر، فلما جاء دور إقصاء الشريعة عن الحياة الإسلامية والتحاكم إلى غير شرع الله هان الخطب على الناس، وسهل الأمر على أدعياء العلم أن يغضوا الطرف عن ذلك الأمر الجلل، طالما أن توحيد الربوبية قائم في نفس الحاكم والمحكوم، وأن كتب التوحيد تتداولها الأيدي، ويتدارسها الدارسون. وكان هذا -في نظرنا- من أوخم نتائج الانحراف عن معاني التوحيد الحقيقي، وأسوئها أثرًا في الحياة الإسلامية. ‍

ثالثًا: وضع أصول للدين غير ما بيَّنه الله ورسوله:

... وضع علماء الكلام أصولًا هي ما قرروه من مشكلات وحلها، ومقدماتها ولوازمها، وسموا ذلك"أصول الدين"واشترطوا على المسلم معرفتها ليصح إسلامه، فعليه أن يعرف أدلة حدوث العالم، وأدلة التمانع والجوهر والعَرَض، وقواعد الحركة والسكون.. إلى غير ذلك مما قرروه في كلامهم، وجعلها بعضهم أول الواجبات على المكلَّف وهي المعرفة وليس أول الواجبات النطق بالشهادتين:"وقد وضع لهم القاضي أبو بكر الباقلاني المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد والخلاء وأن العرض لا يقوم بالعرض، وأنه لا يبقى زمانين، وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم، وجعل هذه القواعد تبعًا للعقائد الإيمانية في وجوب إعتقادها" [1] .

... وقد أوضح شارح العقيدة"الجوهرة"مذاهب الناس في أول الواجبات على المسلم فقال:"وأهم الأقوال في أول الواجبات: أولًا: ما قاله الأشعري إمام هذا الفن: المعرفة."

(1) ... صديق حسن خان: أبجد العلوم 2/450.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت