... وهذا كله نابع من اعتقادهم أن مذهبهم هو الحق الذى لا يجوز غيره، ولا يقبل الله دينًا سواه، ومن أخل بشىء من تعاليمه، فلا حظ له من الدين. الأمر الذى جعل من المستحيل أن يلتقوا مع أحد من المسلمين في فكرة أو رأى، ولذا كان قبول الأعذار من مخالفيهم شيئًا غريبا عن منهجهم وطبعهم [1] .
... ولهذا كانوا يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان [2] كما أخبر بذلك النبى - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآتى قريبا إن شاء الله.
حكمهم في نظر علماء الإسلام:
... عرفنا فيما تقدم من هذا البحث شيئًا من صفات الخوارج وشيئا مما يمكن أن يقال عنهم من مدح أو ذم، ومن ذلك أنهم كانوا أهل عبادة، نعم، فقد كانوا مداومين على الصلاة والصيام وقراءة القرآن، وقد شهد لهم النبى - صلى الله عليه وسلم - بذلك حيث قال: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم) [3] الحديث.
... وشهد لهم التاريخ بذلك، فمن قرأ تاريخهم وسيرهم عرف ذلك عنهم، ولكنهم مع هذا كله يحملون قلوبا عميًا وآذانا صمًا، ونفوسًا شريرة، أبعدتهم عن الحق وصدتهم عن الهدى حتى أصبحوا في معزل عن الإيمان وأهله، وظنوا أن ما معهم هو الحق، وتأولوا القرآن على ما تمليه عليهم نفوسهم [4] حتى عمدوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين.
... ولذلك (كان ابن عمر -رضى الله عنهما- يراهم شرار خلق الله، وقال:(إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين) [5] .
(1) ... انظر دراسات في الفلسفة الإسلامية - عبد اللطيف محمد العبد ص 154 وانظر تلبيس إبليس - ابن الجوزى - ص 95، وانظر منهاج السنة النبوية - ابن تيمية 3/60-61.
(2) ... انظر كتاب النبوات - ابن تيمية ص 131.
(3) ... متفق عليه - انظر فتح البارى 9/99 وقد سبق ذكره.
(4) ... انظر كتاب الشريعة - محمد بن الحسين الآجرى - ص 21.
(5) ... فتح البارى - شرح صحيح البخارى 12/282.