الصفحة 109 من 677

... بهذا يتبين لنا شذوذ الخوارج، وكذلك من سار على منهجهم المبنى على التعسف والتشدد المخالف لسماحة الإسلام ويسره، فإن الإسلام دين اليسر والسماحة، ويبين هذا قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذى يرويه أبو هريرة رضى الله عنه أنه قال: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا) [1] الحديث.

... إن الجهل بالدين بلية عظمى، وهو صفة ذم لا صفة مدح، والجهل ضد العلم وأشد درجات الجهل هبوطًا إذا كان الجاهل لا يعلم أنه جاهل، فهذا هو الجهل المركب، فكيف إذا اعتقد الجاهل أنه أعلم من غيره، فلا شك أن هذا هو منتهى الجهل والحماقة، فإذا كان الأمر كذلك فكيف بمن يقف أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقول له: (اعدل يا محمد فإنك لم تعدل) والذى قال هذا هو أصل الخوارج وهو: (ذو الخويصرة التميمى) فمن أين كان يريد العدل وقد نسب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الجور؟ ومن الذى يعدل إذا لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعدل؟ وماذا يرجى لهذه الأمة من الخير إذا لم يكن نبيها يعدل؟ وهذا هو ما أجاب به رسول اله - صلى الله عليه وسلم - ذا الخويصرة حينما قال مقالته، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: (ويلك ومن يعدل إن لم أكن أعدل لقد خبتُ وخسرتُ إذا لم أكن أعدل) [2] وقد رُوِيَت (خبتَ وخسرتَ) بفتح التاء ورُوِيَت بضمها.

... فعلى رواية فتح التاء نسبة الخيبة والخسارة إلى المخاطب ويشمل بقية الأمة إذا لم يكن نبيها يعدل، وبضمها تكون نسبة الخيبة والخسارة إلى المتكلم نفسه وهو النبى - صلى الله عليه وسلم - لأنه والحالة هذه جائر وحاشاه عن ذلك.

(1) ... رواه البخارى - فتح البارى 1/93 كتاب الإيمان - باب الدين يسر، ورواه أحمد: المسند 5/69.

(2) ... قد تقدم ذكر هذا الحديث انظر: ص 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت