... مما لا شك فيه أن الخوارج أهل طاعة وعبادة، فقد كانوا حريصين كل الحرص على التمسك بأهداب الدين وتطبيق أحكامه كاملة، والابتعاد الشديد عن جميع ما نهى عنه الإسلام، وكذلك التحرز التام عن الوقوع في أى معصية أو خطيئة تخالف الإسلام، حتى أصبح ذلك سمة بارزة في هذه الطائفة، لا يدانيهم في ذلك أحد، ولا أدل على ذلك من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - (يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشىء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشىء) [1] الحديث.
... وقال عبد الله بن عباس -رضى الله عنهما- يصفهم حينما دخل عليهم لمناظرتهم:"دخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهادًا، جباههم قرحة من السجود وأياديهم كأنها ثفن [2] الإبل، وعليهم قمص مرحضة [3] مشمرين، مسهمة وجوههم من السهر" [4] .
... وعن جندب الأزدى: قال:"لما عدلنا إلى الخوارج ونحن مع على ابن أبى طالب كرم الله وجهه فانتهينا إلى معسكرهم، فإذا لهم دوى كدوى النحل من قراءة القرآن" [5] .
... هذا حال الخوارج: فقد كانوا أهل صوم وصلاة وتلاوة للقرآن، لكنهم تجاوزوا حد الاعتدال إلى درجة الغلو والتشدد [6] حيث قادهم هذا التشدد إلى مخالفة قواعد الإسلام بما تمليه عليهم عقولهم، كالقول بتكفير صاحب الكبيرة [7] مثلًا وقد مر معنا بيان ذلك.
(1) ... رواه مسلم: صحيح مسلم بشرح النووى 7/171 كتاب الزكاة باب التحريض على قتل الخوارج - أبو داود 4/244 كتاب السنة، مسند الإمام أحمد - 1/92.
(2) ... الثفن جمع ثفنة: ركبة البعير وغيرها مما يحصل فيه غلظ من أثر البروك.
(3) ... قال ابن الأثير: رحمه الله - (وعليهم قمص مرحضة: أى مغسولة) النهاية في غريب الحديث والأثر (2/208) .
(4) ... تلبيس إبليس - ص 91.
(5) ... تلبيس إبليس - ص 93.
(6) ... انظر الخوارج في الإسلام - عمر أبو النصر - ص 43. ...
(7) ... انظر نوادر الأصول - محمد الحكيم الترمذى ص 54.