لو لم تفاصل هذه الفرق الأمة بتأصيل الأصول البدعية المخالفة لما كان عليه المسلمون من السلف الصالح فمن بعدهم لما صح أن تنقسم الأمة إلى فرق وشيع تخالف بعضها بعضا، وهذه المفارقة التنظيرية هي التي حددت معالم الفرق وما تحمله من أفكار ومعتقدات قد تكون في أحيان كثيرة مصدر قلق من بقية المسلمين.
والذي يلاحظ أن هذه الفرق البدعية كثيرا ما ترفع سيف التكفير على كل من يخالفها ولو في مسائل قد تكون أحيانا مسائل كونية لا علاقة لها بالعقيدة من قريب ولا بعيد، وهذا بخلاف ما عليه أهل السنة من الاحتياط فيه، والتفريق بين التكفير المطلق والتكفير المعين، واعتبار الأعذار كالجهل والخطأ والتأويل وغيرها، فأهل السنة لا يكفرون إلا وفقا لمعايير وضوابط تضيق دائرته، وهذا بخلاف الفرق البدعية التي كثيرا ما تكفر لأتفه الأسباب، كالتكفير -مثلا- بسبب إنكار إمامة إمام ونحو هذا من الغرائب والعجائب.
والمشكلة أن الأمر لا يتوقف عند ابتداع الأصول البدعية المفارقة للأمة وتكفير المخالف فيها بل يتعدى الأمر إلى ما هو أعظم إذ يفرعون عليه أحكام الكفار الأصليين بل يعتبرون المخالف أكفر من الأصليين فيحكمون بإباحة دماء المسلمين، وأموالهم وأعراضهم، وجواز اغتيابهم ونفاقهم، وقذفهم، ويحرم عليهم تغسيل موتى المسلمين من غيرهم والصلاة عليهم، وإذا صلوا عليه لعنوه بدل الدعاء عليه، والكذب عليهم بل وبالأيمان المغلظة.
فأنت تلاحظ أن تلك الأصول وما تفرع عليها قد جعلت كل فرقة تنابذ الأخرى العداء وتتربص بها الدوائر ولا مانع لديها أن تخون أمتها ودينها.