يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (1) (63) (عبس: 1 - 10) وذلك بسبب أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو بعض كبار الكفار، فجاءه المسلم الأعمى ابن أم مكتوم يسأله، فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه لئلا يشغله بسؤاله عن دعوة كبراء القوم الذين إذا أسلموا كان إسلامهم خيرًا للمسلمين، فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن عبس بوجهه وابن أم مكتوم أعمى، لا يرى وجه الرسول العابس، فلا يؤذيه ذلك، ولكن الله سبحانه أنزل عليه العتاب فبلغه الرسول كما نزل (2) (64) .
إن سعي محمد صلى الله عليه وسلم كان منصبًا في حياته كلها على أن يبلغ ما أمره به ربه أن يبلغه مهما كانت المصاعب والعقبات، وفي حجة الوداع، قال للمسلمين: (ألا هل بلغت) ؟ فيشهدون له، بأنه قد بلغ إليهم دين الله، فيقول: (اللهم اشهد) (3) (65) . إن حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل جانب من جوانبها تشهد بأن صاحب هذه الأحوال لا يكون إلا نبيًا رسولًا.
أحوال أتباعه وأعدائه الشاهد بصدق رسالته
ـ أتباعه:
إن قدرة الأستاذ تظهر في تلاميذه، ومهارة المدرب تظهر على من دربهم، وصدق الرسول يظهر في أحوال أتباعه، فهم الذين عاشوا معه، ورباهم، وزكاهم، وعلمهم، ومن تأمل في أحوال الصحابة، يجد مصداق وصف الله لهم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل عمران: 110) ، ولقد شهدت شعوب الأرض في ذلك الزمان للمسلمين بأنهم خير أمة عرفتها البشرية، ذلك لأن القاعدة في معاملة الشعوب والدول أن أي شعب أو دولة تغزو دولة أخرى وشعبًا آخر ينتج عن هذا الغزو كراهيةٌ وحقدٌ بين الشعوب. نرى شاهدًا عليه إلى يومنا بين المستعمِرين، والمستعمَرين، لكن هذه القاعدة نقضت مع الفاتحين المسلمين، الذين سادوا الأرض في زمنهم، لقد أحدث الفتح الإسلامي حبًا ونصرًا، وولاءً، وامتزاجًا بين المسلمين وغيرهم، وأصبحت تلك الشعوب المفتوحة تحمد الله على أن أرسل إليهم هؤلاء الفاتحين المسلمين، وإذا بحثت عن السبب ستجد أن الصراع بين الناس يكون على الدنيا، أما المسلمون فقد بذلوا دنياهم، لإسعاد الناس في الآخرة، لأنهم آمنوا بالآخرة حق الإيمان، ولأن هذا الإيمان والسلوك كانا ثمرة الامتناع الكامل بالأدلة التي قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدق رسالته، وبالسلوك العملي الذي تجسد فيه الإيمان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.