فإن المراد من (ما) كل ما اتخذ معبودًا من المخلوقات، فيدرج فيه عيسى ومريم والأصنام... أما وجه الاحتجاج على النصارى بهذه الآية: فلأن الإله المعبود هو الذي يملك لعباده ضرًا ونفعًا، وأما العاجز فمحال أن يكون إلهًا، وقد ذكرت الأناجيل أن عيسى الذي يَدَّعُون له الألوهية قد أهين وصُلب ودُفن بعد أن وضعوا إكليل الشوك على رأسه، ومن لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، فبالأولى أن لا يملكها لغيره، ومن كان هذا شأنه لا يعبده عاقل، قال إبراهيم لأبيه: (( إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ) ) [مريم:42] ، وكان لأعرابي صنم يقدسه ويعبده وجاءه ذات يوم ليسجد له كعادته فرأى ثعلبًا بالقرب منه، فظن أن الثعلب قصده ليتبرك به، وحين أراد السجود له رأى قذارة الثعلب على رأسه، فثاب إليه رشده، وأخذ يحطم الصنم ويقول:
أرب يبول الثعلبان برأسه ……لقد ذل من بالت عليه الثعالب (77)
وهذا ما نعتقده بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد رماه قومه بالحجارة، ووصفوه بالكاهن والساحر والمجنون، ورُمي على رأسه الشريف صلى الله عليه وسلم سلا الجزور، وهُزم في معركة أحد، وكسرت رباعيته، وشق رأسه الشريف، وطُرد من أرضه وأهله، وحاولوا قتله.
وكذلك الأنبياء والرسل من قبله، كإبراهيم ونوح وزكريا ويوسف وغيرهم، فهم لا يملكون النفع والضر للناس وهم في قبورهم، بل هم مأمورون بتبليغ الناس ما شرع الله عز وجل لهم من توحيده وغير ذلك من العبادات والمعاملات، محذرين من خالفهم بنار جهنم، مبشرين من أطاعهم بجنة عرضها كعرض السموات والأرض.
وما وقع على الآل من بيت النبي صلى الله عليه وسلم من كرب وضيق يدل على ضعف حالهم وقلة حيلتهم في دفع قدر الله عنهم، لأنهم لا يملكون لأنفسهم قوة في دفع القتل عنهم وهم أحياء مثل ما وقع لعلي والحسين عليهما السلام، فكيف سيملكون الحول والقوة لغيرهم وهم أموات؟