فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 45

والصّحو عند الصوفية: هو رجوع العارف إلى الإحساس بعد غيبته بوارد قوي. وهنا يشهد العارف في حال الصّحو أعيان الموجودات على أنها ليست عين ذات إلهه، وإنما هي مظاهر له.

أما المحو عند الصوفية: فهو امَّحاء الكثرة والخلقيَّة، وتجلي الوحدة في حقيقتها، وهنا يرى الصوفي في الخلق عين الحق. يرى المربوب عين الرب، يرى العبد نفسه عين الإله. فثمَّت فارق عند الصوفية بين حال الصّحو وحال المحو، ولكن ابن الفارض كان جريئًا كل الجرأة في إباحته سرَّ الصوفية الخفي، وهو إيمانهم بأن لا خالق ولا خلق، بل الكل شيء واحد. فيقول:

ففي الصَّحو بعد المحو، لم أكُ غيرها

وذاتي بذاتي إذ تحلّت تجلّتِ

أي إنّه ليس كمن سبقوه. بل إنّه ليرى نفسه هي حقيقة الذات الإلهية في حال الصّحو، وفي حال المحو.

وإليك تسويته بين الذاتين، إذ يقول:"وذاتي بذاتي، إذ تحلّت"فهو يتكبر عن قوله:

"وذاتي بذاته"بل أراد أن يتعالى حتى ليجعل ذات ربه هي ذاته، لا العكس.

ويقول مستكبرًا متعاليًا، جاعلًا صفات ربه من صفاته:

فوصفي، إذ لم تدع باثنين وصفها

وهيئتها، إذ واحد نحن هيئتي

فإن دُعِيَتْ كنت المجيَب، وإن أكن

منادًى أجابت من دعاني ولبتٍ

وصفُه هو وصف ربه، لأنه بذاته هو الرب، فلا فرق ولا سوى. بل اتحدت الإنية والأينيَّة. فإن دُعي ربه أجاب ابن الفارض، لأنه هو الرب. وإن دُعي ابن الفارض أجاب الرب الذي هو ابن الفارض! سبحانك ربنا. ولكن هل تلمح التكبّر على الرب متجسد البغي في قوله:"أجابت من دعاني ولبت"يريد أن يقول: إن الرب حين يُدعى يُجيب عنه ابن الفارض، إمَّا إن دُعي ابن الفارض أجاب الرب ولبَّى!! ألا يريد ابن الفارض إشعارنا أنه هو الأصل، وأن ربه هو الفرع؟

ثم يقول:

فقد رُفعت تاءُ المخاطب بيننا

وفي رفعِها عن فرقة الفرق رفعتي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت