يعني أنه لا يخاطبه؛ لأن الخطاب يشعر بالإثنينية، إذ يوجد مخاطَب ومخاطِب. فيقال: أنت كذا وأنت كذا.. ولكنه وقد أصبح، وذاته ذات الرب وذات الرب ذاته، فلا يقول: أنت أنت. وإنما يقول: أنا. أنا: لأن أنت صارت أنا. يعني صار الرب عبدًا، والعبد ربًّا، ثم يقول، ليدلل على أنه هو ربه، إذ قد اتحد به:
ولا فلكُ إلا من نور باطني
به ملك يهدي الهدى بمشيئتي
ولا قطر إلا حلّ من فيض ظاهري
به قطرة، عنها السحاب سحَتِ
ولولاي لم يوجد وجودٌ ولم يكن
شهود ولم تُعهد عهودٌ بذمّة
فلا حي إلاّ من حياتي حياته
وطوع مرادي كل نفس مريدةِ
وكل الجهاتِ الستّ نحوي توجَّهت
بما ثم من نسك وحج وعمرةِ
لها صلواتي بالمقامِ أقيمهما
وأشهد فيها أنها لي صلَّتِ
كلانا مصلّ واحد ساجد إلى
حقيقته بالجمع في كل سجدةِ
ولكن كلمة"كلانا"هذه تشعر بأن هناك اثنين. لهذا يستدرك ابن الفارض سريعًا، ليؤكد مرَّة ومرَّة ومليون مرة: أن الذات الإلهية هي بعينها ذوات الخلق.
فالكثرة هي بعينها الواحد، وذاته هو قد اتحدت بربه فأصبحا واحدًا فيقول:
وما كان لي صلى سواي ولم تكن
صلاتي لغيري في أداء كلّ ركعةِ
ولست أدري لِمَ يُغرم الصوفية دائمًا بجعلهم حقيقة إلههم تتجلى في الأنوثة الفاتنة!!
إن هذا ليدفعنا إلى البحث فيما يكمن من نزوات ملتهبة وراء هذا الشعور.
أيحقّ لي القول: أن الصوفية لما يئسوا من المرأة في الواقع نشدوها في الخيال، ثم صور لهم غليل الحرمان أنها هي تلك الذات الإلهية! واسمع لابن الفارض يقول:
ففي النشأةِ الأولى تراءت لآدم
بمظهر حوَّا قبل حكم النبوَّة
وتظهرُ للعشاقِ في كل مظهر
من اللبس في أشكالِ حسنٍ بديعةٍ
ففي مرَّة لُبْنَى وأخرى بُثَينة
وآونة تُدعى بعزَّة عزتِ
ولن سواها. لا. ولا كنَّ غيرها
وما إن لها في حسنها من شريكةِ
يعني أن قيسًا ما أحب لبنى في الحقيقة، إذ كانت لبنى هذه هي ذات إله ابن الفارض متجسدة في صورة امرأة معشوقة!!