لأجل إبطال حجة هؤلاء {أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} فدل على أن منهم من يعبد الملائكة لكن الملائكة تتبرأ منهم يوم القيامة وتقول نحن ما أمرناهم بذلك ولا رضينا بذلك {سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ} يعني الشياطين هي التي أمرتهم بعبادة الملائكة لأن الملائكة لا تأمر إلا بعبادة الله {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [1] فدل على أن منهم من يعبد الملائكة، والملائكة أصلح الصالحين، كما قال تعالى فيهم: {لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [2] ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين كالمسيح ابن مريم وأمه.
وإذا بطل التوسل بالملائكة والأنبياء ودعاؤهم من دون الله بطل التوسل بغيرهم من الصالحين ودعاؤهم من دون الله كما قال تعالى: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [3] لأن الواجب إخلاص العبادة لله عز وجل بجميع أنواعها من الدعاء والذبح والنذر وغير ذلك.
فمن ذبح لغير الله ودعا غير الله كان مشركًا خارجًا من الدين.
الشبهة الثالثة: إذا سلّم بأن الدعاء لغير الله شرك ولكنه قال أنا لا أدعو النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا غيره وهذا الذي أفعله ليس دعاءً وإنما هو طلب لشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهل تنكر شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنك حينئذٍ تدخل معه في خصومة أخرى وشبهة أخرى وهي أنه سمى دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - والاستغاثة به طلبًا للشفاعة ولم يُسمّه دعاءً ويقول إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أُعطي الشفاعة فأنا أطلب منه الشفاعة التي أعطيها.
فتقول له أنا لا أنكر الشفاعة وأقر أن شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - حق وأنه شافع مشفّع أنا لا أنكر هذا ولكن الشفاعة لا تطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ميت وإنما تطلب من الله لأن الشفاعة ملك لله عز وجل، قال الله تعالى: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [4] فجميع أنواع الشفاعة ملك لله وما دامت ملكًا لله فإنها لا تطلب إلا ممن يملكها وهو الله سبحانه وتعالى، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يملك الشفاعة ولا أحد يملك الشفاعة إلا بإذن الله وإنما هي ملك لله عز وجل. وأيضًا الشفاعة لا تنفع كل أحد وإنما تنفع أهل التوحيد وأنت لست من أهل التوحيد لأنك تدعو غير الله فالشفاعة لها شرطان:
الشرط الأول: أن تطلب من الله سبحانه وتعالى ولا تطلب من غيره.
الشرط الثاني: أن يكون المشفوع فيه من أهل التوحيد لا من أهل الشرك والكفر. والدليل على الشرط الثاني قوله تعالى: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى} [5] وهو لا يرضى إلا عن أهل التوحيد ودليل الشرط الأول قوله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} لا الملائكة ولا الرسل ولا الأولياء ولا الصالحون لا أحد يشفع عند الله إلا بعد أن يأذن الله: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَاذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى} [6] .
(1) الأنبياء:29
(2) الأنبياء:27
(3) الزمر:3
(4) الزمر:44
(5) الأنبياء:28
(6) النجم:26