فلا تطلب الشفاعة من المخلوق الميت، وإنما تطلب الشفاعة من الله فتقول اللهم شفّع فيّ نبيك، لا تطلبها من الأموات. وهذا الذي تقول إنه طلب للشفاعة هو الذي كفَّر الله به المشركين، فإن المشركين حينما لجؤوا إلى الأولياء والصالحين وإلى الملائكة وإلى الأنبياء يطلبون منهم الشفاعة كفّرهم الله بذلك فقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [1] فهذا الذي تقوله هو الذي كفّر الله به المشركين وهو عبادة الأولياء والصالحين طلبًا لشفاعتهم.
[فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله، وهذا الالتجاء إليهم ودعاؤهم ليس بعبادة] يعني إذا كان يعترف أن العبادة حق لله عز وجل وأنه لا يجوز عبادة غير الله ولكنه يقول الالتجاء ليس من العبادة فهو جائز.
فإنك تقول له: الالتجاء إلى الله عبادة والالتجاء إلى غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك لأن من التجأ إلى غير الله في الشدائد فقد أشرك مع الله فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، لأنه هو الذي يُجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء وهو الملجأ سبحانه ولذا لجأ إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: «لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك» [2] {قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ} [3] وقوله تعالى: {وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ} [4] .
[فقل له: أنت تقر أن الله افترض عليك إخلاص العبادة لله وهو حقه عليك، فإنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها فبيّنها له بقولك: قال الله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [5] .
فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت أن هذا عبادة لله؟ فلا بد أن يقول: نعم. والدعاء مخ العبادة: فقل له: إذا أقررت أنه عبادة ودعوت الله ليلًا ونهارًا خوفًا وطمعًا، ثم دعوت في تلك الحاجة نبيًا أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلا بد أن يقول نعم] أي تسأله عن معنى العبادة وما الفرق بينهما وبين الالتجاء.
وقل له: هل العبادة واجبة أو مستحبة؟ فلا بد أن يعترف أن العبادة أمر واجب وحتم على العباد وأنها حق الله على العباد، فإذا اعترف بهذا فقل له: فسّر لي العبادة ما معناها وبيّن لي ما أنواعها، ما دمت أنك اعترفت أن العبادة لله وأنها واجبة على العبد فإنه يجب عليك أن تعرف معناها وأن تعرف أنواعها وإلا فكيف يُوجب الله عليك شيئًا وأنت تجهله ولا تعرفه، فإنه لا يعرف العبادة ولا يعرف أنواعها، وهذه آفة الجهل، ومن هنا يتعين على العباد أن يتعلموا ما أوجب الله عليهم وما فرضه الله عليهم حتى يؤدوه على وجهه الصحيح ويتجنبوا ما يُخل به وما يبطله، أما أن تعبد الله على جهل فإن هذه طريقة النصارى الضالين يعبدون الله على جهل وضلال والله أمرك أن تسأله أن يُجنبك طريقهم فتقول: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [6] فالضالون هم الذين يعبدون الله على غير علم وعلى غير معرفة بالعبادة وإنما يعبدون الله بالعادات والتقاليد وما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم دون أن يرجعوا إلى ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وهذا هو سبب الضلال. والالتجاء هو طلب
(1) يونس:18
(2) رواه الإمام البخاري في صحيحه 7/ 147 كتاب الدعوات باب النوم على الشق الأيمن من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه.
(3) الجن:22
(4) المؤمنون:88
(5) الأعراف:55
(6) الفاتحة:6 - 7