فالقرآن منه آيات على هذا الشكل {مُّحْكَمَاتٌ} يعني بيّنات واضحات في معانيها لا تحتاج إلى غيرها {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} أم الشيء هو الأصل الذي يرجع إليه فالآيات المحكمات هن الأصل الذي يرجع إليه {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} المتشابه هو الذي يحتاج لبيان معانيه إلى غيره فيرد إلى المحكم، ومن المتشابه المحتمل لمعاني متعددة ويحتاج إلى غيره في بيان المراد منه، ومنه المطلق ومنه المنسوخ. وقد ذكر تعالى موقف الناس من هذين القسمين المحكم والمتشابه فقال: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} يأخذون الآيات غير الواضحة أو الآيات المحتملة ويستدلون بها على ما يريدون مع أنها محتملة ليست نصًا فيما يقولون لكن هم يريدون التلبيس على الناس يقولون نحن استدللنا بالقرآن فيأخذون الآيات التي لا يتضح معناها بنفسها أو الآيات المحتملة لعدة معان فيستدلون بها على ما يريدون {ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ} أي التشكيك والتضليل أو {ابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ} التأويل يطلق على معنيين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته التدمرية [1] .
المعنى الأول: أن المراد به التفسير وهذا هو المعروف عند المتقدمين. ولذلك تجد ابن جرير الطبري في تفسيره يقول: القول في تأويل قوله تعالى أي في تفسيره فإن كان هذا هو المقصود في الآية: {وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} فإنه يعطف الراسخون في العلم على لفظ الجلالة هكذا {وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} يعني والراسخون في العلم يعلمون تأويله وهو التفسير وذلك بردّه إلى المحكم الذي يبيّن المراد منه.
فتفسير القرآن على هذا الوجه لا يعلمه إلا الله وأهل العلم المختصون وأمَّا العوام والجهّال فلا يعلمون تفسيره، وأهل الزيغ يأخذون المتشابه ولا يردونه إلى المحكم ويقطعون بعض القرآن عن بعض فيأخذون بعض الآيات ويتركون البعض الآخر.
أما المعنى الثاني: للتأويل فهو الحقيقة التي يؤول إليها الشيء. وما يصير إليه في المستقبل، مثل حقائق ما في الجنة من أعناب ونخيل وفواكه ولبن وخمر وعسل وأشياء لا يعلم حقائقها إلا الله سبحانه وتعالى، لأنها من علم الغيب، وكذلك كيفية أسماء الله وصفاته لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى فالتأويل على هذا المعنى ما يؤول إليه الشيء في المستقبل فإذا أريد هذا المعنى تَعَيّنَ الوقفُ في الآية على لفظ الجلالة. لأنه لا يعلم تأويله على هذا الوجه إلا هو سبحانه.
[وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمَّى الله، فاحذروهم» ] [2] صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم أنه قال:» إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه «أي من القرآن والسنة ويأخذون بالنصوص المجملة ويتركون النصوص المفصلة «فأولئك الذين سمى الله» في هذه الآية: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} ... «فاحذروهم» أي احذروا أصحاب هذه الطريقة لا يُلبسوا عليكم أمر دينكم فهذا فيه التحذير من علماء الضلال ومن المبتدعة لئلا يلبسوا علينا أمر ديننا فهؤلاء من الذين {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ} [3] .
(1) التدمرية ص809، وما بعدها: تحقيق الدكتور محمد بن عودة السعوي. .
(2) رواه الإمام البخاري في صحيحه 5/ 165، 166 كتاب التفسير (سورة آل عمران) باب منه آيات محكمات. ورواه الإمام مسلم في صحيحه 4/ 2053 كتاب العلم باب (1) النهي عن اتباع متشابه القرآن، والتحذير من متبعيه، والنهي عن الاختلاف في القرآن، حديث رقم (2665) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3) البقرة:27