الصفحة 23 من 49

[فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان كما هم الغالبون بالسيف والسنان] قال تعالى: {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [1] أضاف الجند إليه سبحانه وتعالى، وجند الله هم المؤمنون، يقال لهم جند الله ويقال لهم حزب الله كما في قوله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ} إلى قوله: {أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [2] .

فهم حزب الله وجند الله، والجند جمع جندي وهو المقاتل والمدافع عن دين الله أضافهم إلى نفسه تشريفًا لهم، وجعل لهم الغلبة بالحجة والسلاح.

جند الله هم الغالبون بالحجة واللسان يعني بالعلم والمعرفة ومجادلة أهل الباطل، فما تقابل أهل حق وأهل باطل في خصومة إلا تغلب أهل الحق على أهل الباطل في الخصومات والمناظرات دائمًا وأبدًا. فهم الغالبون بالحجة مع المبطلين كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان في المعارك، إذا تقابل الجندان المسلمون والكفار فإنه ينتصر المسلمون على الكفار إذا توفرت شروط النصر فيهم بأن توكلوا على الله واعتصموا بالله وأطاعوا الله ورسوله، فإن حصل فيهم خلل لحقت بهم الهزيمة كما حصل للصحابة في وقعة أحد لما عصوا أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونزلوا من الجبل الذي قال لهم لا تنزلوا منه سواء انتصرنا أو هُزمنا فلما خالفوا ونزلوا من الجبل حلت الهزيمة بالمسلمين [3] .

[وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح] هذا هو الواقع فالموحد الذي يسلك الطريق ويواجه الكفار ويقول أنا أدعو إلى الله وليس عنده علم لو يقف أمامه واحد من عوامهم ويلقي عليه شبهة ما استطاع الجواب. فهذا مما يُوجب على طلبة العلم وعلى الدعاة إلى الله خصوصًا أن يتفقهوا في دين الله وأن يتعلموا حجج الله وبراهينه وأن يطّلعوا على ما عند الخصوم والكفار والمنافقين من الباطل من أجل أن يدحضوه ويكونوا على معرفة به. والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما أرسل معاذًا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب» [4] من أجل أن يستعد لأن الذين أمامه أهل كتاب وأهل علم وعندهم حجج وعندهم شبهات وعندهم تلبيس، فلا بد أن يكون معاذ رضي الله عنه على استعداد من أجل أن يقوم بالدعوة ويرد الباطل ثم قال له: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» فهذا مما يؤكد على الموحدين عمومًا وعلى طلبة العلم خصوصًا وعلى الدعاة إلى الله بصفة أخص أن يتعلموا ما يدفعون به الباطل وينصرون به الحق وإلا فإنهم سينهزمون أمام أي شبهة تعرض لهم. والمشكلة إذا عجز الداعية إلى الله أن يُجيب على شبه الملبس أمام الناس أو أجابه بجهل، وهذا أشد. ولا يتعارض هذا مع قول الشيخ: «والعامي من الموحدين يغلب ألفًا من علماء المشركين» لأن العامي الموحد وإن كان كذلك فعليه الخوف من شرهم وأخذ الحذر منهم بتعلم العلم النافع. وقد استشكل بعض الإخوان هذه العبارة. وهي قول الشيخ: (والعامي من الموحدين يغلب ألفًا من علماء هؤلاء المشركين) مع قوله: (وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح) والجواب عن هذا الإشكال أن الشيخ رحمه الله يقصد أن العامي عنده فطرة سليمة يستنكر بها الباطل، أما

(1) الصافات:173

(2) المجادلة:22

(3) انظر صحيح الإمام البخاري 48/ 26 كتاب الجهاد والسير باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه وقال تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} وقال قتادة الريح الحرب من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.

(4) رواه الإمام البخاري في صحيحه 2/ 125 كتاب الزكاة باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت