فكيف بغيرهم من الدعاة إلى الله وعلماء التوحيد فأتباع الأنبياء أيضًا يكون لهم أعداء من دعاة الباطل في كل زمان وفي كل مكان. هذا مستمر في الخلق وجود دعاة الحقّ وإلى جانبهم دعاة الباطل في كل زمان ومكان.
الأمر الثاني: وهو العجيب أن دعاة الباطل يكون عندهم علوم وعندهم كتب وعندهم حجج يجادلون بها أهل الحق كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم} [1] يعني الكفار {بِالْبَيِّنَاتِ} الحقائق البيّنة والعلم النافع {فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ} الذي توارثوه عن أجدادهم وآبائهم والذي هو عبارة عن كتبهم وعن حججهم التي توارثوها، وهذا واقع الآن، فكم في الساحة من كتب أهل الباطل ككتب الجهمية، وكتب المعتزلة، وكتب الأشاعرة، وكتب الشيعة كم في الساحة من كتب هؤلاء! وعندهم حجج مركبة ومزيفة تغر الإنسان الذي ليس عنده تمكن من العلم فعلم الكلام وعلم المنطق اعتمدوه وجعلوه هو العلم الصحيح الذي يفيد اليقين.
[إذا عرفت ذلك وعرفت أن الطريق إلى الله تعالى لابد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير سلاحًا تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [2] ]أما أدلة القرآن والسنة فهي حجج ظنية بزعمهم لا تفيد اليقين وهذا من تمام الفتنة والتزييف على الناس. لأن الواقع الصحيح هو العكس وهو أن أدلة القرآن تفيد اليقين، وأدلة المنطق والجدل تفيد الشك والحيرة والاضطراب. كما أقر بذلك كبراؤهم عند الموت أو عند توبتهم ورجوعهم عن علم الكلام.
إذا كان هؤلاء عندهم فصاحة وعندهم حجج وعندهم كتب فلا يليق بك أن تقابلهم وأنت أعزل بل يجب عليك أن تتعلم من كتاب الله ومن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما تبطل به حجج هؤلاء الذين قال إبليس إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ} أي لبني آدم {صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} أي الطريق الموصل إليك {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [3] . تعهد الخبيث أنه سيحاول إضلال بني آدم وكذلك أتباعه من شياطين الإنس من أصحاب الكتب الضالة والأفكار المنحرفة يقومون بعمل إبليس في إضلال الناس.
[ولكن إذا أقبلت على الله وأصغيت إلى حججه وبيّناته فلا تخف ولا تحزن {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [4] ]كما قال الله سبحانه وتعالى: {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} فهم مهما كان عندهم من القوة الكلامية والجدال والبراعة في المنطق والفصاحة إلا أنهم ليسوا على حق وأنت على حق ما دمت متمسكًا بالكتاب والسنة وفهمت الكتاب والسنة فاطمئن فإنهم لن يضروك أبدًا ... {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [5] لكن هذا يحتاج إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة فإنك بذلك لا تخاف مهما كان معهم من الحجج والكتب لأنها سراب كما قال الشاعر:
حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقًا؛ وكل منها كاسر مكسور [6]
(1) غافر:83
(2) الأعراف:16 - 17
(3) الأعراف:17
(4) النساء:76
(5) النساء:76
(6) ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام الخطابي في مجموع الفتاوى 4/ 82.