الصفحة 20 من 49

صلاح وتقوى وخرجوا مع موسى مقاطعين لفرعون وقومه فلما أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم أرادوا تقليدهم في ذلك وطلبوا من موسى فقالوا: {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [1] فأنكر عليهم موسى هذه المقالة وأخبرهم أن عمل هؤلاء القوم شرك بالله عز وجل فانظر كيف خفي عليهم هذا الأمر مما يدل على خطورة الجهل بالتوحيد وعدم معرفة حقيقة الشرك مما يسبب أن الإنسان قد يقول الكلمة التي تقتضي الكفر والخروج من الدين وهو لا يدري. ولا يخلصك من هذا وأمثاله إلا العلم النافع الذي به تعرف التوحيد من الشرك، وتحذر به من القول أو الفعل اللذين يوقعانك في الشرك من حيث لا تدري. وهذا يدل على بطلان قول من يقول: إن من قال كلمة الكفر أو عمل الكفر لا يكفر حتى يعتقد بقلبه ما يقول ويفعل. ومن يقول: إن الجاهل يعذر مطلقًا ولو كان بإمكانه أن يسأل ويتعلم، وهي مقالة ظهرت ممن ينتسبون إلى العلم والحديث في هذا الزمان.

[واعلم أن الله تعالى بحكمته لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [2] وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ} [3] ]حكمة الله تعالى في هذا تتلخص في أمرين:

الأمر الأول: أنه ما بَعَثَ نبيًا من أنبيائه إلا جعل له أعداء من المشركين كما في الآية التي ذكرها المؤلف وكما في الآية: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [4] ولله في ذلك الحكمة من أجل أن يتبين الصادق من الكاذب، ويتبين المطيع من العاصي. إذا بعث الأنبياء يدعون إلى الهدى صار هناك دعاة للضلال من أجل أن يمتحن الناس أيهم يتبع الأنبياء وأيهم يتبع دعاة الضلال، ولولا ذلك لكان الناس كلهم يتبعون الأنبياء ولو في الظاهر ولا يتميز الصادق في اتِّباعه من المنافق لأن الأنبياء يتّبعهم المؤمن الصادق ويتبعهم المنافق الكاذب، والذي يميز هذا من هذا هو الابتلاء والامتحان، فالشدائد هي التي تبيّن الصادقين من المنافقين فالله جعل أعداءً للأنبياء لحكمة من أجل الابتلاء والامتحان {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ} [5] هذه هي الحكمة بأن الله جعل لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن، والشيطان هو المارد العاصي فكل من تمرد عن طاعة الله فإنه شيطان سواء كان من الجن أو من الإنس، حتى الدواب المتمردة تسمى شيطانًا وهو من شاط الشيء إذا اشتد أو من شطن إذا ابتعد، فالشيطان يكون من عالم الجن ويكون من عالم الإنس، وقوله تعالى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ} [6] الزخرف في الأصل الذهب وزخرف القول هو القول المموّه المزوّر، لأجل أن يغر الناس. فالقول المزخرف هو الباطل المغلّف بشيء من الحق وهذا من أعظم الفتنة لأن الباطل لو كان مكشوفًا ما قبله أحد لكن إذا غُطي بشيء من الحق فإنه يقبله كثير من الناس وينخدعون بهذه الزخرفة، فهو باطل في صورة الحق، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} الله قادر على منعهم من ذلك لكنه شاء أن يفعلوه من أجل الابتلاء والامتحان. وإذا كان هذا مع الأنبياء

(1) الأعراف:138

(2) الأنعام:112

(3) غافر:83

(4) الفرقان:31

(5) الأنفال:37

(6) الأنعام:112

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت