الصفحة 17 من 49

قولوا لا إله إلا الله قالوا: {أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ، بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} [1] فهم فهموا معنى لا إله إلا الله وأبوا أن يعترفوا به لأنه يُلزِمُهم بترك عبادة الأصنام وهم لا يريدون هذا، وإنما يريدون البقاء على عبادة الأصنام. ولم يجرؤوا أن يقولوا لا إله إلا الله ويبقوا على عبادة الأصنام لأن في هذا تناقضًا وهم يأنفون من التناقض، في حين أن كثيرًا من المنتمين إلى الإسلام اليوم لا يأنفون من هذا التناقض فهم يقولون لا إله إلا الله بحروفها ولكنهم يخالفونها ويعبدون غير الله من القبور والأضرحة والصالحين بل والأشجار والأحجار وغير ذلك. فهم لا يفهمون معنى لا إله إلا الله.

فلا يكفي التلفظ بلا إله إلا الله دون علم بمعناها وعمل بمقتضاها.

بل لابد من العلم بمعناها أوّلًا ثم العمل بمقتضاها لأنه لا يمكن أن يعمل بمقتضاها وهو يجهل معناها ولهذا يقول جل وعلا: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [2] فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، فالذي يجهل معنى لا إله إلا الله لا يمكن أن يعمل بمقتضاها على الوجه الصحيح.

[فإذا عرفت أن جهّال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممّن يدّعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفرة. بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني] هذا من أعجب العجب أن جهال الكفار والمشركين في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يعرفون أن معنى هذه الكلمة هو إخلاص العبادة لله وترك عبادة غيره فلذلك امتنعوا عن النطق بها تحاشيًا لترك عبادة آلهتهم وتعصبًا لباطلهم؛ ومن يدعي الإسلام اليوم لا يفهم أن معنى هذه الكلمة هو ترك عبادة القبور والأضرحة وإخلاص العبادة لله، فلذلك صار يقولها وهو مقيم على شركه لا يأنف التناقض والجمع بين الضدين فصار جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. وصار هذا المدعي للإسلام يظن أن المراد بهذه الكلمة هو النطق بحروفها من غير اعتقاد لمعناها فصار يردد معها دعاء الموتى والمقبورين ليلًا ونهارً.

[والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر الأمر إلا الله] كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة التدمرية وغيرها [3] عن علماء الكلام أن الإله عندهم هو القادر على الاختراع يعني هو الذي يقدر على الخلق والرزق والإحياء والإماتة ويبنون عقائدهم على هذا ويفسرون لا إله إلا الله بهذا المعنى ويجعلون التوحيد هو الإقرار بتوحيد الربوبية وهذا غلط عظيم.

فإذا كان هذا حال العالم منهم فكيف بالجاهل؟ وما هذا إلا من قلة الاهتمام بدعوة التوحيد وتقليد الآباء والأجداد والاكتفاء من الإسلام بمجرد الانتساب لأغراض وأهداف دنيوية الله أعلم بها. من غير تعرّف على الدين الحقيقي الذي أساسه التوحيد الخالص.

[فلا خير في رجل جُهَّالُ الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله] لا خير في رجل يدعي الإسلام بل يدعي أنه من أهل العلم ولا يفهم معنى لا إله إلا الله وقد فهمها كفار قريش وعرفوا معناها.

إن الأمر خطير، والعار شنيع، والواجب على المسلمين أن ينتبهوا لدينهم ويتأملوا دعوة نبيهم ويفقهوا دينهم فقهًا صحيحًا ويقيموه على أساس سليم من عقيدة التوحيد والبراءة من الشرك وأهله، ولا يكتفوا بمجرد التسمي والانتساب إليه مع البقاء على الرسوم والعادات المخالفة له، وترديد عبارات جوفاء لا تسمن ولا تغني من جوع.

(1) الصافات: 36 - 37

(2) محمد: 19

(3) انظر التدمرية ص185 تحقيق الدكتور محمد بن عودة السعوي، ومجموع الفتاوى 13/ 203

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت