[لم يريدوا أنّ الإله هو الخالق الرازق المدبَّر، فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده، كما قدمت لك وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ «السيد» ] أي ليس الإله عند المشركين الأولين هو الخالق الرازق المدبر لأن هذا معنى الرب، وفرق بين معنى الرب ومعنى الإله وفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا أي زمان المؤلف بلفظ السيد وإلى الآن يسمون هؤلاء الذي يدّعون صلاحهم ويتقربون إليهم يسمّونهم السادة كالسيد البدوي والسيد الرفاعي والسيد التيجاني، إلى غير ذلك يعتقدون أن هؤلاء السادة لهم منزلة عند الله تؤهلهم أن يتوسطوا لهم عند الله وتؤهلهم أن يُدعوا من دون الله ويذبح وينذر لهم ويطاف بقبورهم ويتبرك بها. فالمشركون الأولون يسمون هذه الأشياء آلهة والمشركون المتأخرون يسمون هذه الأشياء وسائط ووسائل وشفعاء والأسماء لا تغيّر الحقائق فهي آلهة.
[فأتاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي: لا إله إلا الله، والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها] أي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا المشركين إلى تحقيق معنى: لا إله إلا الله التي هي كلمة التوحيد، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله وهو الذي بعث الله به رسوله إلى المشركين ولم يبعثه إليهم يدعوهم إلى توحيد الربوبية لأنهم مقرّون به وهو لا يكفي، لأنه قاتلهم وهم يقرون به، ومن قال إنه يكفي فإنه يلزم عليه تغليط الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأنه قاتل أناسًا مسلمين يعترفون بلا إله إلا الله إذا فسرناها بتوحيد الربوبية وهو الإقرار بالخالق الرازق القادر على الاختراع. ومع الأسف هذا التفسير الخاطئ للا إله إلا الله موجود في كتب العقائد التي ألّفها علماء الكلام وعلماء المنطق من المعتزلة والأشاعرة والتي تدرّس في كثير من المعاهد الإسلامية الآن. وعقائدهم مبنية على هذا الرأي وأن الإله معناه القادر على الاختراع فمن اعترف أن الله هو الخالق الرازق يعتبر موحدًا وأما من اعتقد أن أحدًا يخلق أو يرزق مع الله فهذا هو المشرك عندهم مع أن الشرك إنما وقع في توحيد الألوهية ولم يقع في هذا وليس هذا هو معنى لا إله إلا الله.
وإنما معناها: لا معبود بحق إلا الله فمن قال: لا إله إلا الله وجب عليه أن يُفرد الله بالعبادة وأن يترك عبادة ما سواه، فإن المقصود من هذه الكلمة معناها والعمل بمقتضاها لا مجرد النطق بها دون عمل بمعناها ومقتضاها، فمن قالها وهو يعبد غير الله لم يكن عاملًا بمقتضاها وهو ترك الشرك، ولا ينفعه مجرد النطق بها لأنه قد ناقض فعله قوله، والمشركون الأولون لما سمعوا هذه الكلمة عرفوا معناها وأنه ليس المقصود التلفظ بها فقط ولذلك قالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [1] .
وفي وقتنا هذا وجد من يفسّر لا إله إلا الله بأن معناها هو إفراد الله بالحاكمية وهذا غلط. لأن الحاكمية جزء من معنى لا إله إلا الله وليست هي الأصل لمعنى هذه الكلمة العظيمة، بل معناها لا معبود بحق إلا الله بجميع أنواع العبادات ويدخل فيها الحاكمية ولو اقتصر الناس على الحاكمية فقاموا بها دون بقية أنواع العبادة لم يكونوا مسلمين، ولهذا تجد أصحاب هذه الفكرة لا ينهون عن الشرك ولا يهتمون به ويسمونه الشرك الساذج، وإنما الشرك عندهم الشرك في الحاكمية فقط وهو ما يسمونه الشرك السياسي، فلذلك يركزون عليه دون غيره، ويفسرون الشرك بأنه طاعة الحكام الظلمة.
[والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه فإنه لما قال لهم: قولوا: لا إله إلا الله قالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} ] أي الكفار يعرفون معنى لا إله إلا الله ولهذا لما قال لهم - صلى الله عليه وسلم - قولوا لا إله إلا الله قالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [2] ولما قال لهم
(1) ص~:5
(2) ص~:5