ووسائط بينهم وبين الله كما قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} [1] ما أرادوا منهم إلا الشفاعة وزعموا أن هذا تعظيم لله يقولون: الله عظيم ما يمكن أن نصل إليه بدعائنا لكن نتخذ من يوصل إليه حاجاتنا من عباده الصالحين، من الملائكة والرسل والصالحين فقاسوا الله على ملوك الدنيا الذين يتوسط عندهم أصحاب الحاجات بالمقربين عندهم، فهم لم يعتقدوا فيهم أنهم يخلقون ويرزقون كما يقول الجهال: إن الشرك هو اعتقاد أن أحدًا يخلق مع الله أو يرزق مع الله، هذا ما قاله أحد من عقلاء بني آدم، وإنما قصدهم الشفاعة وفي الآية الأخرى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [2] يقولون نحن عباد ضعفاء والله جل وعلا شأنه عظيم ولا نتوصل إليه فهؤلاء يقربونا إلى الله زلفى، شبّهوا الله بملوك الدنيا هذا هو أصل الكفر فدل على أنهم لم يعتقدوا فيهم الشرك في الربوبية وإنما اعتقدوا فيهم الشرك في الألوهية فإذا سألت أي واحد الآن يذبح للقبور أو ينذر لها ما الذي حملك على هذا؟ فإنهم يقولون كلهم بلسان واحد: والله ما اعتقدنا أنهم يخلقون ويرزقون وأنهم يملكون شيئًا من السماوات والأرض إنما اعتقدنا أنهم وسائط لأنهم صالحون يوصلون إلى الله حاجاتنا ويبلغونه حاجاتنا هذا قصدنا. ومع هذا سماهم الله مشركين وأمر نبيه بجهادهم كما قال تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [3] مع أنهم يقولون لا نعتقد أنهم يخلقون ويرزقون ويدبِّرون مع الله وإنما قصدنا اتخاذهم وسائط فنحن نذبح لهم وننذر لهم ونتوسل بهم لأن الله لا يصل إليه شيء من أمورنا إلا بواسطتهم، فهم يوصلونه إلى الله ويكونون وسائط يقربوننا إلى الله زلفى وشفعاء عند الله، هذه شبهتهم قديمًا وهذه شبهة عباد القبور اليوم. {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} فتشابهت أقوالهم وأفعالهم.
[عرفت حينئذٍ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون] أي إذا فهمت ما سبق من الآيات البينات التي تدل على أن المشركين الأولين لم يشركوا في الربوبية وإنما أشركوا في الألوهية فاتخذوا الآلهة من دون الله لتقربهم إلى الله عز وجل وتشفع لهم عنده. إذا تبين لك هذا. عرفت أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل وجحده المشركون هو توحيد الألوهية لا توحيد الربوبية وأن الإقرار بتوحيد الربوبية وحده لا يكفي ولا يدخل من أقرّ به في الإسلام.
ومعرفة ذلك أمر مهم جدًا إذ به يعرف التوحيد والشرك والإسلام والكفر. والجهل بذلك ضرره عظيم وخطره كبير لأن الإنسان قد يخرج من الإسلام وهو لا يدري.
[وهذا التوحيد هو معنى قوله: لا إله إلا الله] أي معنى لا إله إلا الله هو توحيد الألوهية لا توحيد الربوبية لأنه لو كان معناها توحيد الربوبية لما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمشركين قولوا لا إله إلا الله لأنهم يقولون إن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت وإنه حينئذٍ يطلب منهم ما هو تحصيل حاصل ويقاتلهم على شيء يعترفون به ويقرون به؛ وهذا القول باطل.
[فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكًا أو نبيًا أو وليًا أو شجرة أو قبرًا أو جنيًا] هذا تعليل لما سبق في تقرير معنى لا إله إلا الله وأنه توحيد الألوهية لأن الإله عند مشركي العرب هو الذي يقصد لقضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفان وليس الإله عندهم هو الذي يخلق ويرزق ويدبر ليس هذا هو الإله عندهم فالشرك عندهم لم يقع في توحيد الربوبية وإنما وقع في توحيد الإلهية.
(1) يونس:18
(2) الزمر:3
(3) التوبة: 5