الصفحة 14 من 49

الإسلام، بل اعتبرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - كفارًا مشركين وقاتلهم وهم يقرون بتوحيد الربوبية، فهم أقروا بتوحيد الربوبية وجحدوا توحيد الألوهية لما طلب منهم أن يفردوا الله بالعبادة ويتركوا عبادة الأصنام قالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [1] لأنه قال لهم قولوا لا إله إلا الله فهم فهموا معنى لا إله إلا الله وهو أنه لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له وهم لهم أصنام ولهم معبودات كثيرة لا يريدون تركها والاقتصار على عبادة الله وهذا لا يرضيهم ولذلك أنكروا وقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} طلب منا أن نعبد الله وحده ونترك عبادة اللات والعزى ومناة وهبل وغيرها من الأصنام هذا شيء لا يعقل عندهم {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ} [2] ملة آبائهم فهذا احتجاج بما عليه آباؤهم؛ الحجة الملعونة التي احتجت بها الأمم من قبل إذا دعوا إلى عبادة الله. حتى فرعون يقول: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى} [3] فهم لمّا فهموا معنى لا إله إلا الله استغربوا هذا واستنكروه وتواصوا برفضه وفي الآية الأخرى يقول سبحانه فيهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} [4] .

وهذا يبين معنى لا إله إلا الله تمامًا ويوضحه ويقطع الجدال، فإن فيه ردًا على من غلط في معنى لا إله إلا الله. فعلماء الكلام في مقرراتهم وعقائدهم يقولون لا إله إلا الله معناها لا خالق ولا رازق ولا قادر على الاختراع إلا الله هذا معنى الإله عندهم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «والحاذق منهم من يقول: الإله هو القادر على الاختراع وهذا غلط وجهل كبير باللغة وبالشرع المطهر إذ معنى الإله المعبود الذي تألهه القلوب وتخضع له وتتقرب إليه» [5] فهم لم يفهموا معنى الإله ولذلك يقولون لا إله إلا الله ويكثرون، ولهم أوراد في الليل والنهار يرددونها ومع هذا يعبدون القبور والأضرحة ويستغيثون بغير الله عز وجل. فلم يفهموا معنى لا إله إلا الله وأنها تطلب منهم ترك عبادة القبور والأضرحة وعبادة ما سوى الله من الأصنام والأشجار والأحجار فإذا قالوها لزمهم ترك عبادة الأوثان، أما هؤلاء فقالوها وعبدوا غير الله، فالأولون أحذق منهم ولهذا يقول الشيخ: لا خير في رجل جهّالُ المشركين أعلمُ منه بمعنى لا إله إلا الله.

[وتحققت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما قاتلهم ليكون الدعاء كله لله والنذر كله لله والذبح كله لله والاستغاثة كلها لله وجميع أنواع العبادة كلها لله] أي لا يكون بعض ذلك لله وبعضه للبدوي وبعضه لله وبعضه للحسين، لابد أن يكون الدعاء كله لله والذبح كله لله والنذر كله لله وسائر العبادات كلها لله وهذا هو الدين الصحيح، أما أن تكون العبادة مشتركة بين الله وبين القبور والأضرحة والأولياء والصالحين فهذا ليس هو التوحيد بل هذا هو دين المشركين وإن كان صاحبه يعترف بتوحيد الربوبية ويصوم ويصلي ويحج ويعتمر إلى غير ذلك.

[وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام] أي لما كان إقرارهم بتوحيد الربوبية الذي ذكره الله عنهم وسجله عليهم لم يدخلهم في الإسلام، دلّ على أن التوحيد المطلوب ليس هو توحيد الربوبية وإنما هو توحيد الألوهية وهو الفارق بين المسلم والكافر أما توحيد الربوبية فكل مقر به المسلم والكافر وهو لا ينفع وحده.

[وأن قصدهم الملائكة والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم] أي أنهم لم يقولوا إن الملائكة والأنبياء والأولياء الذين يعبدونهم يخلقون ويرزقون ويحيون ويميتون ما قالوا هذا وإنما اتخذوهم شفعاء

(1) ص:5

(2) ص~:7

(3) طه: 51

(4) الصافات: 35 - 36

(5) انظر معنى كلامه في التدمرية ص185، 186، تحقيق محمد بن عودة السعوي وفي مجموع الفتاوي 13/ 203.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت