[إذا عرفت ما قلت لك معرفة قلب] أي إذا عرفت ما ذكرت لك من الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وعرفت أن المشركين أقروا بالأول وجحدوا الثاني فلم يدخلهم في الإسلام وقُتِلُوا واستُحِلَّت دماؤهم وأموالهم، إذا عرفت هذه الأمور معرفة قلب لا معرفة لسان فقط كأن يحفظ الإنسان هذا المعنى ويُؤديه في الامتحان وينجح فيه ولم يتفقّه فيه في قلبه ويفهمه تمامًا فهذا لا يكفي. فالعلم هو علم القلب وعلم البصيرة لا علم اللسان فقط.
[وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [1] ]أي الشرك في العبادة لا الشرك الذي هو اعتقاد أن أحدًا يخلق ويرزق ويدبر مع الله بل الشرك الذي حذّر الله منه هو اعتقاد أن أحدًا يستحق العبادة أو شيئًا من العبادة مع الله.
فالشرك هو دعوة غير الله معه أو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، هذا هو الشرك الذي حرمه الله وحرم على صاحبه الجنة وأخبر أن مأواه النار. وهو الشرك الذي يحبط جميع الأعمال وهو الشرك في الألوهية وليس الشرك في الربوبية، وهذا تنبيه من الشيخ رحمه الله إلى أنه كما تجب معرفة التوحيد تجب معرفة الشرك.
[وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أوَّلهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه] دين الرسل هو الإسلام وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك وأهله هذا هو دين الرسل وهذا هو الإسلام. وأما الانتساب إلى الإسلام في الظاهر دون الباطن أو الانتساب إليه بالتسمي فقط دون التزام لأحكامه، أو الانتساب إليه مع ارتكاب ما يناقضه من الشرك والوثنيات، أو الانتساب إليه مع الجهل بحقيقته، أو الانتساب إليه دون موالاة لأوليائه ومعاداة لأعدائه فليس هذا هو الإسلام الذي جاءت به رسل الله. وإنما هو إسلام اصطلاحي مصطنع لا يغني ولا ينفع عند الله سبحانه وتعالى، وليس هو دين الرسل.
[وعرفت ما أصبح غالب النّاس فيه من الجهل بهذا] وهو الجهل بالتوحيد والجهل بالشرك. هذا هو الذي أوقع كثيرًا من الناس في الضلال وهو أنهم يجهلون التوحيد الصحيح ويجهلون الشرك ويفسرون كلًا منهما بغير تفسيره الصحيح، هذا هو الذي أوقع كثيرًا من الناس في الغلط والكفر والشرك والبدع والمحدثات إلى غير ذلك، وذلك بسبب عدم معرفة ما أمر الله به من توحيده وطاعته، وما نهى عنه من الإشراك به ومعصيته فالعوام لا يتعلمون، وغالب العلماء مكبون على علم الكلام والمنطق الذي بنوا عليه عقيدتهم وهو لا يحق حقًا ولا يبطل باطلًا بل هو كما قال بعض العلماء: (لا ينفع العلم به ولا يضر الجهل به) [2] .
[أفادك فائدتين: الأولى: الفرح بفضل الله ورحمته كما قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [3] وأفادك أيضًا الخوف العظيم]أي العلم بهذه الحقائق يفيدك فائدتين:
الفائدة الأولى: أنك تفرح بفضل الله حيث مَنَّ عليك بمعرفة الحق من الباطل فإنها نعمة عظيمة، حُرمَ منها الكثير من الخلق، قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} وفضل الله هو الإسلام، ورحمته هي القرآن {فَلْيَفْرَحُوا} فرح شكر واعتراف بالنعمة. والفرح بفضل الله مشروع لأنه شكر لله سبحانه وتعالى على نعمة التوحيد ومعرفة الشرك وهذه نعمة إذا وُفّقت لها فإنه قد جمع لك الخير كله الفرح بالنعمة مشروع، أما الفرح المنهي عنه
(1) النساء: 48
(2) انظر كتاب الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية ص3 (بنحوه) .
(3) يونس: 58