الصفحة 60 من 66

فصل

في أن المصالح المتخرصة والمفاسد الموهومة لا تسقط الطاعة ولا تحل العقد.

من القواعد الشرعية الكلية أن اليقين لا يزول بالشك، وما أثبت يقينا لا يزول شكا .. وإنزالا لهذه القاعدة الكلية أقول أن البيعة أبرمت بيقين بين الفرع والأصل والطاعة لازمة يقينا بين الجندي والأمير فلا تحل البيعة ظنا ولا تقطع الطاعة تخرصا.

وعلى هذه القاعدة بنى كثير من الأئمة أقوالهم في اختلاف الجند مع الأمراء

قال السرخسي: (وَكَذَلِكَ إنْ أَمَرُوهُمْ بِشَيْءٍ لَا يَدْرُونَ أَيَنْتَفِعُونَ بِهِ أَمْ لَا، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ الطَّاعَةِ ثَابِتَةٌ بِنَصٍّ مَقْطُوعٍ بِهِ. وَمَا تَرَدَّدَ لَهُمْ مِنْ الرَّأْيِ فِي أَنَّ مَا أُمِرَ بِهِ مُنْتَفَعٌ أَوْ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلنَّصِّ الْمَقْطُوعِ. .) السير الكبير

وجاء في المحيط البرهاني: ( .. فقد ذكر في باب طاعة الوالي أن الأمير إذا أمر الجند بشيء وشكوا أنهم ينتفعون به أو يتضررون به وتساوى الظنان، قال: عليهم أن يطيعوا الأمير ولا يسعهم خلافه؛ لأن طاعة الأمير واجب عليهم بيقين ووقع الشك في سقوطه، فلا يسقط عنه بالشك، كذا طاعة الولد للوالدين فيما يأمرانه واجبة عليه بيقين ووقع الشك في سقوطه فلا يسقط بالشك،.) المحيط البرهاني في الفقه النعماني 5/ 389.390

وأختم هذا الفصل بهذا الكلام النفيس للسرخسي:

وَإِنْ كَانَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ مُخْتَلِفِينَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِيهِ الْهَلَكَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِيهِ النَّجَاةُ، فَلْيُطِيعُوا الْأَمِيرَ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ، وَلِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الطَّاعَةِ فَتْحُ لِسَانِ اللَّائِمَةِ عَلَيْهِمْ، وَفِي إظْهَارِ الطَّاعَةِ قَطْعُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ طَّاعَةُ مَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِأَمْرٍ يَخَافُونَ فِيهِ الْهَلَكَةَ، وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ رَأْيِ جَمَاعَتِهِمْ، لَا يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ. فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلَا طَاعَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت