فقد ذكروا مصالح مظنونة مرجوحة بل ساقطة موهومة وقدموها على أنها قطعيات ومن المسلمات ولم يذكروا الاعتراض فضلا أن يناقشوه ويدحضوه وسيأتي إن شاء الله بيان هذا.
وقلنا جازمين باتباعهم الهوى لخلو أطروحاتهم من أي دليل شرعي يصرف أو يخص ما تضافرت عليه النصوص من وجوب إمضاء البيعات والصبر على الأمراء عند الملمات إنما قدموا مصالح مجردة من البراهين النقلية بل وحتى العقلية وهذا دل على اتباعهم للهوى
قال شيخ الإسلام: (كل من فعل ما تريده نفسه، بغير علم يبين أنه مصلحة، فهو متبع هواه، والعلم بالذي هو مصلحة العبد عند الله في الآخرة؛ هو العلم الذي جاءت به الرسل) . [1]
قال الشاطبي: (إن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس وطلب منافعها العاجلة كيف كانت وقد قال ربنا سبحانه: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} ، ويقول عليه الصلاة والسلام:"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به?ومن أمثلة ذلك الجهاد?قال تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} ) ."
وقال أيضا: (إن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها?وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه?والذي يخفى عليه منها أكثر من الذي يبدو له فقد يكون ساعيا في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها أو يوصله إليها عاجلا لا آجلا أو يوصله إليها ناقصة لا كاملة أو يكون فيها مفسدة ترني في الموازنة على المصلحة فلا يقوم خيرها بشرها) .
وقال أيضا: (علم بالتجارب والعادات من أن المصالح الدينية والدنيوية لا تحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى، والمشي مع الأغراض؛ لما يلزم في ذلك من التهارج والتقاتل والهلاك، الذي هو مضاد لتلك المصالح) .
(1) المنهاج (5/ 331) .