وقال أيضا: (جميع المحرمات من الشرك والخمر والميسر والفواحش والظلم, قد تحصل لصاحبه به منافع ومقاصد, لكن كانت مفاسدها راجحة على مصالحها نهى الله ورسوله عنها, كما أن كثيرًا من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة, لكن لما كانت مصلحته راجحه على مفسدته أمر به الشارع فهذا أصل يجب اعتباره) .
وقال الشاطبي: (فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غلب, فإذا كان الغالب جهة المصلحة فهي المصلحة المفهومة عرفًا, وإذا غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عرفًا) .
وقال الشيخ السعدي: (إن الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة, ولا ينهى إلا عما مفسدته ومضرته خالصة أو راجحة, ولا يشذ من هذا الأصل الكبير شيء من أحكامه) .
فعلى هذا إن ذكرهم لبعض المفاسد من رص صفوف القاعدة (أحب أن أسميها باسمها) لا تلغيها لأن المصلحة حتما راجحة، وقطعنا بحتميتها لدلالة النص عليها، فالنص الشرعي لا يأتي إلا بالمصالح علمها من علمها وجهلها من جهلها .. ويكفي أن تعرف أن الشرع نص على أمر لتعلم أن المصلحة إما أن تكون فيه مجردة بلا مفسدة أو راجحة تغلب على المفاسد وسيأتي التفصيل إن شاء الله تعالى.
بل لا يعكر قوة النص وجود مفاسد مرجوحة فيه فلا يكاد يوجد نص إلا وفيه مفاسد دنيوية ..
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (المصلحة المحضة؛ نادرة، فأكثر الحوادث فيها ما يسوء ويسر، فيشتمل الفعل؛ على ما ينفع ويُحب ويُراد ويُطلب، وعلى ما يضر ويُبغض ويُكره ويُدفع) . [1]
وأيضا أخطؤوا لما ظنوا أن المصالح الراجحة تعرف من دون وزن وترجيح و فحص وتدقيق وتمحيص وتنقيح بضوابط وقواعد الشرع الحنيف، والقائلون بتغليب مصلحة تفريق الجماعة تناولوا المسألة بسطحية تدل على أنهم عرفوا المصالح بالأهواء والتخرصات وتدل أيضا على عدم أهليتهم في النظر في المصالح وترجيحها .. فلم أجد من استقرأ المسألة استقراء كليا واتبع نهج العلماء في الاستشهاد على المراد وعضده بالدليل والبيان ودحض ورد الاعتراض كما قاله الشيخ أبو قتادة حفظه الله في دروسه المنثورة ..
(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (19/ 298) .