والصحيح أنها محرمات تحريم غاية لا تباح إلا اضطرارا. والاضطرار يكون بالتحقق لا بالتوهم.
وعلماء الأصول جعلوا ضابطا يعرف فيه ما حرم تحريم غاية وما حرم تحريم وسيلة .. فمنها أن علة التحريم تكون في ذاته لا في غيره ومنها أن تستقرأ النصوص في النازلة فتخلوا من إباحتها للحاجة ..
وضربوا مثالا بالذهب والحرير فقالوا حرمها الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: (هذان حرامان - أي الذهب والفضة- على ذكور أمتي، حِلٌّ لإناثهم) . [1]
ثم لما استقرؤوا باقي النصوص في هذه المسألة وجدوا أنه قد رَخَّصَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ بِهِمَا. [2]
فعلموا أنه محرم تحريم وسيلة يباح للحاجة وهي الحكة.
وفي مسألة الذهب لما استقرؤوا باقي النصوص وجدوا أن النبي عليه الصلاة والسلام أباح اتخاذ الذهب للحاجة وهو فيما رواه الترمذي عن عرفجة ابن أسعد قال: أصيب أنفي يوم الكلاب فاتخذت أنفا من ورق فأنتن علي فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أتخذ أنفا من ذهب.
فعلموا أنه حرم تحريم وسيلة لا غاية.
وأيضا لما استقرؤوا كامل الأدلة في مسألة لبس الذهب والحرير علموا أنهما حرما لأمر خارج عنهما ووسيلة له وهو ما يمسى المحرم لغيره.
وإعمالا لهذه القواعد والضوابط نجد أن شق الصف ومفارقة الجماعة وخذلان الأمير المجاهد لم يرد نص يبيحه للحاجة قط إنما قيد بأن لا يأمر بمعصية أو إلا أن تروا فيه كفرا بواحا لكم فيه من الله برهان.
ثم أنه يحسن أن نقول أن من مقاصد الشرع الحنيف الكلية رص الصفوف وتوحيدها ومن مفاسدها الكلية شق صفوف المسلمين وتفريقها.
(1) أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم.
(2) متفق عليه.