الصفحة 45 من 123

فهذا فرح المشركين، فرح أهل الكبر والعدوان، فهو فرح مذموم.

قال الله تعالى: {ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (( (( } [1] ففرح الأشر والبطر فرح باطل مذموم.

فإذا عرفت معنى كلمة التوحيد، وعرفت معنى دين الإسلام، وعرفت أن الكفار لم يعرفوا معنى هذه الكلمة، وأن كفرهم إنما كان لعدم إخلاص الدين لله، أفادك فائدتين: الأولى: الفرح بفضل الله ورحمته، وسؤال الله الثبات على دين الله والاستقامة عليه كما سبق ذكرها.

الخوف على النفس من الوقوع في المعصية

وأفادك أيضًا الخوف العظيم، فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله -تعالى-، كما ظنَّ المشركون.

والفائدة الثانية: الخوف العظيم.

بأن تخاف على نفسك أن تقع فيما وقع فيه غالب الناس، وأنت لا تشعر وهو الشرك. فقد يقول الإنسان كلمة يخرجها من لسانه وهو لا يظن أن تبلغ به ما بلغته، فيكون بها مرتدا، كما لو سخر واستهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله أو بدينه كما في قصة الجماعة الذين خرجوا في غزوة تبوك قالوا للنبي وأصحابه:"ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء"يعنون الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فنزلت الآية فيهم: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [2] .

فأولئك كفروا بكلمة أخرجوها بألسنتهم؛ فإن الإنسان قد يقول الكلمة لا يظن أن تبلغ به ما بلغت، وإذا كان إبراهيم الخليل - عليه الصلاة والسلام - إمام الحنفاء الذي وقف وقوف الجبال الراسيات أمام عبَّاد الأصنام من أبيه وقومه وصمد وصمودًا، وصبر وصبرًا عظيمًا حتى ألقوه في النار. وكسَّر الأصنام بيده - عليه الصلاة والسلام - فرزقه الله ثواب ذلك أنبياء، إسماعيل وإسحاق، ومن سلالة إسماعيل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن سلالة يعقوب يوسف.

فجعل من بنيه سلالة أنبياء، ومع ذلك يدعو ربه ويقول: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (( (( } [3] أي: اجنبني واجنب بني أن نعبد الأصنام.

إذا كان هذا إبراهيم الخليل - عليه السلام - هذه حاله! وهذا خوفه، فكيف لا نخاف نحن؟. ولهذا قال إبراهيم: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -؟.

إذا كان هذا حال إبراهيم الخليل - عليه السلام - تنقل ++ إلى قبل وهذا خوفه الذي قال الله عنه {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (( (( } [4] .

وقوع بعض الموحدين في الشرك

خصوصًا إنْ ألهمك الله ما قصَّ عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ} [5] ] سورة الأعراف، الآية: 138]؛ فحينئذٍ يعظم حرصك وخوفك على ما يخلصك من هذا وأمثاله.

إذًا، قوم موسى هؤلاء هم الخلاصة الذين قالوا لموسى هذا؟ الذين نجاهم الله مع موسى - عليه أفضل الصلاة والسلام - من الغرق وأهلك فرعون وقومه وهم ينظرون بأعينهم، ينظرون إهلاك الله لفرعون وقومه، وهم مع موسى - عليه السلام - خرجوا ودخلوا البحر لما ضرب موسى البحرَ بعصاه بأمرِ الله، وصار البحر يبسًا سلكوا الطريق ودخلوا في البحر، ثم سلكه فرعون وقومه تبعًا لهم، ثم خرج موسى - عليه السلام - وقومه من الجهة الثانية، فلما خرج موسى - عليه السلام - وقومه من الجهة الثانية وتكاملوا خارجين من البحر ودخل فرعون وقومه وتكاملوا في البحر داخلين عاد البحر لحالته بأمر الله، فانطبق على فرعون وجنوده فأهلكه الله بالغرق، وموسى وقومه ينظرون!. فهؤلاء هم الخلاصة من مع موسى - عليه السلام -! فلما مشى قوم موسى - عليه السلام - وهم بنو إسرائيل - مع موسى مروا على قوم يعبدون صنما لهم فقالوا لموسى - عليه السلام: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ} [6] فأنكر عليهم موسى - عليه السلام: {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (( (( (} [7] إنكم تنظرون! أن الله أهلك عدوكم وأنتم تنظرون!. فتقولون: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (( (( (} [8] ؟ فإذا كان هؤلاء هم الخلاصة مع علمهم وصلاحهم يطلبون أن +++، ولكن لما زجرهم موسى - عليه السلام - لم يقعوا في الشرك.

(1) - سورة غافر آية: 75 - 76.

(2) - سورة التوبة آية: 65 - 66.

(3) - سورة إبراهيم آية: 35.

(4) - سورة النحل آية: 120.

(5) - سورة الأعراف آية: 138.

(6) - سورة الأعراف آية: 138.

(7) - سورة الأعراف آية: 138.

(8) - سورة الأعراف آية: 138 - 139.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت