الصفحة 48 من 123

وكذلك كما في قصة أبي واقد الليثي - رضي الله عنه - يقول: أنه خرج من النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة حنين، وكنا حديثي عهد في الشرك، أي: أسلمنا قريبًا. أي: لم تمض علينا مدة، ما تمكن الإسلام منا ومن قلوبنا.

قال: فمررنا بمشركين ولهم سدرة - أي شجرة - يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، ويتبركون بها، ويعلقون أسلحتهم بها. وقالوا ذات مرة: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. أي: اجعل لنا شجرة نتمسح بها ونتبرك بها ونعلق عليها أسلحتنا!.

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر عليهم طلبهم. وقال: " الله أكبر، الذي قلتم - والذي نفسي بيده كما قال موسى {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (( (( (} [1] ".

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل مقالتهم كمقالة قوم موسى -عليه السلام-؛ لأن العبرة بالمعنى، لكنهم لم يقعوا في الشرك - رضي الله عنهم أجمعين -، إنَّما قالوا هذا عن جهلٍ، فلما زجرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيَّن لهم، لم يفعلوه، ولم يقعوا فيه.

دوام العداء لأهل التوحيد

واعلم أن الله -سبحانه- من حكمته لم يبعث نبيًّا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداءً، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [2] ] سورة الأنعام، الآية: 112].

هذا من الابتلاء والامتحان، فالله له حكمةٌ بالغةٌ حتى يتميز الصادق في إيمانه من غير الصادق.

جعل الله -سبحانه- من حكمته أن لكل نبي أعداء شياطين الإِنس والجن كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [3] فهؤلاء الشياطين أعداء للأنبياء، ويصدون الناس عن طريق الحق، ويؤذون الأنبياء ويمتحنون أتباعه.

فكذلك أتباع الأنبياء: لهم أعداء، ولهم شياطين يتصدون للدعاة والمصلحين في كل زمان وفي كل مكان.

الدعاة والمصلحون لهم أعداء كما أن للأنبياء أعداء، هذا امتحان وابتلاء من الله حتى يتميز الصادق من الكاذب، وحتى يتبيَّن صبر الصابر، وحتى يرفع الله المؤمن درجات بسبب صبره على الأذى وثباته على الدين. {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (( (} [4] .

فطريق الدعوة وطريق الجنة ليس مفروشًا بالورود، لو كان مفروشًا بالورود ما تخلف أحد كان، كل الناس يسلكوه، لكن هذا الطريق أمامه عقبات لا بد فيه من الصبر، ولا بد فيها من التحمل، يُمتحن الإنسان أيضًا حتى يزول خبثه ويخرج نقيًا صافيًا كما يُمتحن الذهب على النار ليصفو ويزول عنه الخبث.

أعداء الموحدين لديهم علم وحجج

وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة، وكتب وحجج كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ (( (( (( (( (} [5] ] سورة غافر، الآية: 83 [.

قد يكون عند الأعداء علوم وحجج وشُبَهٍ كثيرة، عُبَّاد القبور الآن بعضهم عندهم علم، وعندهم شبهات، ويستدلُّون بآيات من القرآن، فيقول بعضهم: هذا ولي!. الله -سبحانه وتعالى- يقول: {أَلَا إِن أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (( (( } [6] .

فالله -تعالى- يخبر أنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فلا مانع أن أطلب منه الشفاعة. هذه من الشُّبَه. نعم هذا ولي، إذا كان وليًا فحلمه لنفسه، وولايته لنفسه. لا تستفيد أنت من حلمه ولا من ولايته.

أنت تستفيد من ملكك أنت لا من الولي، فادع الله! اعمل مثل عمله الصالح، فكونه ولي لا يدعوك هذا أن تدعوه من دون الله؛ إنما يحثك على أن تعمل مثل عمله الصالح مخلصًا في ذلك لله -سبحانه وتعالى- ++++ كما قال الله - عز وجل - {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ (( (( (( (( (} [7] فرحوا بما عندهم من العلم في مقابلة الرسل لها، لما جاءتهم تدعوهم إلى الله -سبحانه وتعالى-.

وجوب التسلح بالعلم لرد شبه المعاندين

إذا عرفتَ ذلك، وعرفتَ أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج.

هكذا ينبغي لطالب العلم أن يكون معه سلاح، والسلاح هو العلم؛ حتى تقابل الشُّبَه التي يوردها عليك هؤلاء المشركون والوثنيون.

(1) - سورة الأعراف آية: 138.

(2) - سورة الأنعام آية: 112.

(3) - سورة الأنعام آية: 112.

(4) - سورة العنكبوت آية: 1 - 3.

(5) - سورة غافر آية: 83.

(6) - سورة يونس آية: 62.

(7) - سورة غافر آية: 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت