رحمك لله، تجاهد في سبيل الله لله، تحسن إلى الفقراء والمساكين والأرامل لله، وتكف آذاك عن الناس خشيةً لله وتقربًا إليه، وتعظيمًا له وإجلالا له ... وهكذا بقية العبادات.
فلا بد للمؤمن أن يأتي بأنواع التوحيد الثلاثة كلها: يوحد الله في ربوبيته، ويوحد الله في أسمائه وصفاته، ويوحِّد الله في أفعاله هو، في العبادة التي يتقرب بها إليه؛ فمن لم يوحِّد الله في واحد من هذه الأنواع الثلاثة، فليس بموحِّد، وليس بمؤمنٍ.
فالمؤمن هو الذي وحَّد الله في ربوبيته، ووحَّد الله في أسمائه وصفاته، ووحَّد الله في ألوهيته، وعبادته، وآمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وآمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأنه رسول الله حقًا، وأنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، ولم يفعل شركًا في العبادةِ، ولا ناقضًا من نواقض الإسلام.
هذا هو المسلم والمؤمن حقًا.
إيمان المشركين بالربوبية
فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشهدون بهذا، فاقرأ قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (( (( } [1] ] سورة يونس، الآية: 31].
وقوله: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (( (( } [2] ] سورة المؤمنون، الآيات: 84 - 89 [ ... وغير ذلك من الآيات.
هذه أدلة على أن المشركين يقرُّون بتوحيد الربوبية، وكل شيء ليس عليه دليل لا يقبل فقد يقول قائل للشيخ: هات الدليل على أن الكفار يقرون بتوحيد الربوبية. قال: خذ الدليل الواضح من كتاب الله. قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (( (( } [3] أي: أفلا تتقون فتعبدون الله ما دمتم معترفين بهذا!. فما الذي منعكم؟. ولماذا لا تتقون الله وتعبدونه.
فاحتج الله عليهم بإقرارهم بتوحيد الربوبية على توحيد العبادة على أنه يجب عليكم أن تعبدوا الله وتتقوه. فهم مقرون بأن الله هو الذي يرزق، وأنه يملك السمع والأبصار ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، وأنه يدبر الأمر.
والمعنى: إذا كنتم معترفين بهذا، أفلا تتقون الله وتعبدونه.
وكما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (( (( } [4] .
والمعنى: اعبدوا الله الذي تقرُّونَ بأنه خلقكم وخلق الذين من قبلكم، وجعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناءً وأنزل من السماء ماء.
وقال الله -تعالى- في آيات أخرى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (( (( } [5] .
احتجَّ عليهم بإقرارهم بتوحيد الربوبية على أنهم يجب عليهم أن يوَحِّدُوا الله في العبادة.
(1) - سورة يونس آية: 31.
(2) - سورة المؤمنون آية: 84 - 89.
(3) - سورة يونس آية: 31.
(4) - سورة البقرة آية: 21 - 22.
(5) - سورة المؤمنون آية: 84 - 89.