وأما الهداية التي هي بمعنى الدلالة والإرشاد والوعظ والبيان. فهذه بيد الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (( (( } [1] وكذلك يملك العلماء والدعاة هذه الهداية، أما هداية القلوب به أو يختاره، فهذا إلى الله، وهذا من حِكَم الله وأسراره في خلقه، ومن الدلائل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشر، وليس في يده شيء من هداية القلوب وتفريج الكروب، وأن الأمر بيد الله.
فهداية القلوب بيد الله لا يملكها أحد، حتى أفضل الناس وهو نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ليس بيده شيء، فلله الأمر من قبل ومن بعد وله الحكمة البالغة.
ومن فوائد هذه القصة ومن الحكم في ذلك أن يعلم الناس أن هداية القلوب بيد الله، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشر لا يصلح للعبادة، فهو بشر - عليه الصلاة والسلام - لا يملك من هداية القلوب شيئًا فلا يصلح للعبادة.
فمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبي كريم يُطاع ويُتَّبع، ويعظم ويحب أعظم من محبتنا لأنفسنا ولأهلينا، لكن لا نعبده؛ فالعبادة حق الله، ولو كان يعلم الغيب لما مسَّه السوء كما قال الله -سبحانه وتعالى-: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [2] وقال -تعالى- في آية أخرى: {قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [3] أي: ولكن ليس بيدي شيء.
(1) - سورة الشورى آية: 52.
(2) - سورة الأعراف آية: 188.
(3) - سورة الأنعام آية: 58.