الصفحة 18 من 123

فالبلاء الذي أُصيبوا به والشرك الذي حصل لهم سببه أنهم لم يخصوا الله بالعبادة. ولهذا قال الشيخ - رحمه الله - حينما افتتح هذه الرسالة:"اعلم - رحمك الله - أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، أي: تخصيص الله بالعبادة". فالمشركون لم يخصُّوا الله بالعبادة قالوا: نعبد الله ونعبد غيره!!!. ففي وقت يعبدون الله، وفي وقت آخر يعبدون غير الله.

فلا بدَّ للمسلم أن يعلم أن المشركين الذين بعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - يعبدون الله، ولكنهم لم يخصُّوه بالعبادة، بل يعبدون معه غيره. وامتنعوا لما قال لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " [1] ؛ لأنهم يعرفون معنى لا إله إلا الله، فإن معناها: لا معبود حق إلا الله.

قالوا: كيف نخص الله بالعبادة ونترك الأصنام والأوثان؛ لأننا متلبسون بالجرائم والمعاصي. وهذه الوسائط تنقل حوائجنا إلى الله وتقربنا إلى الله ... هكذا يقولون.

قاسوا الله على خلقه!.

ولما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " [2] امتنعوا، ولما قال لأبي جهل: كلمة إذا قلتموها ملكتم بها العرب ودانت لكم بها العجم". فقال أبو جهل: ما هي هذه الكلمة لنعطينكها وعشرة أمثالها. فقال هي:"لا إله إلا الله" [3] فأبى، وامتنع، واستكبر، ونكص على عقبيه وهو ينفض يديه ويقول: {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [4] ؛ ذلك لأنه يعرف معنى لا إله إلا الله وأن معناها ترك الأصنام والأوثان. قال الله تعالى: {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (( (} [5] ."

اتباع الآباء والأجداد:

هذه الحجة القرشية، اتباع الآباء والأجداد في الباطل، قال الله -تعالى- عنهم {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (( (} [6] .

وهذه الحجة الفرعونية - حجة فرعون حين قابل موسى - فقال: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (( (( } [7] احتجَّ بما كان عليه السابقون.

وهي حجة المشركين جميعًا، اتباع الآباء والأجداد في الباطل، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (( (( } [8] {إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى (( (( (( } [9] يعني: على دين وإنا على آثارهم مقتدون.

(1) - أخرجه ابن خزيمة برقم (1/ 82) برقم (129) ، والحاكم وغيرهما. وقال الحاكم: صحيح الإِسناد ووافقه الذهبي.

(2) - سبق تخريجه ص 15.

(3) - أخرجه النسائي في السنن الكبرى برقم (8769/ 1) 5/ 235 كتاب التفسير، باب 113. والإِمام أحمد بن حنبل في مسنده برقم (3409) 1/ 597. والترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب تفسير سورة ص برقم (3232) 5/ 341، وقال: هذا حديث حسن. وانظر: تفسير قوله تعالى: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا) [سورة ص، الآية: 5] .

(4) - سورة ص آية: 5.

(5) - سورة ص آية: 6 - 7.

(6) - سورة ص آية: 7.

(7) - سورة طه آية: 51.

(8) - سورة الزخرف آية: 23.

(9) - سورة الزخرف آية: 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت