الصفحة 17 من 123

فالمقصود أن المشركين كانوا يحجون، لكنهم غيَّرُوا وبدَّلُوا ذلك وهم على شركهم، وكانوا يصومون، كما ثبت في الصحيحين أن يوم عاشوراء كان يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصومه معهم [1] وكانوا يصلون، وكانوا يتعبدون، ويتصدقون، وكانوا يجتمعون في مؤتمرات يعقدونها لهم لرفع الظلم عن المظلوم. ومن ذلك: حلف المطيبين، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أدرك هذا قبل البعثة، وقال: " أدركت حلف المطيبين ما أحب أن أنكثه وأن لي كذا وكذا " وذلك أن قومًا اجتمعوا وجاءوا بجفنة فيها طيب، وغمسوا أيديهم في هذه الجفنة، وتعاقدوا على نصر المظلوم حتى يردّ إليه حقه، وتعاقدوا أيضًا على الإحسان، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أثنى على هذا العهد وهذا التعاقد، قال: " ما أحب أن أنكثه وأن لي كذا وكذا " [2] ؛ لأنه تعاقد وتعاهد على نصر المظلوم، وإزالة الظلم. فالمقصود أن الكفار كانوا يتعبدون، كما يصومون، ويصلون، ويحجون، ويتصدقون، ويذكرون الله كثيرًا، لكن سبب شركهم وضلالهم أنهم لم يفردوا الله بالعبادة، بل عبدوا معه غيره.

فمنهم من يعبد اللات والعزى، ومنهم من يعبد المسيح عليه السلام، ومنهم من يعبد أمه، ومنهم من يعبد عزيرًا، ومنهم من يعبد الشمس، ومنهم من يعبد القمر، لماذا يعبدونها؟ يريدون منهم القربة والجاه والشفاعة، يقولون: المسيح نبي، وله مكانة عند الله، وينقل حوائجنا إلى الله، ويقربنا إلى الله، كما قال الله - عز وجل - عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ (( (( (( (( } [3] هذه مقالتهم.

وفي الآية الأخرى يقول الله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [4] .

إخلاص العبادة لله شرط لقبولها

(1) - أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الصوم، باب صوم يوم عاشوراء، برقم (2002) . ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، عن عائشة -رضي الله عنها-. وقال الإمام ابن القيم في زاد المعاد: (كانت - أي قريش - تصوم عاشوراء في الجاهلية وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصومه) .

(2) - أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن عوف برقم (1658) . والبيهقي في دلائل النبوة. وابن كثير في البداية والنهاية. وقال ابن كثير في البداية والنهاية: (المراد بهذا الحلف الفضول وكان في دار عبد الله بن جدعان كما رواه الحميدي.

(3) - سورة الزمر آية: 3.

(4) - سورة يونس آية: 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت