لأنَّهم يدعونهم ويستسقون بهم المطر، فعبدوهم كما ثبت هذا في صحيح البخاري [1] عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:"كانت هذه الأسماء ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر أسماء رجال صالحين من قوم نوح [2] فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".
وقد ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا} [3] قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على التوحيد والإسلام، ثم حدث الشرك في قوم نوح" [4] ."
فإذًا أول ما وقع الشرك في قوم نوح. ولهذا كان نوح - عليه السلام - أول رسول بعثه الله إلى الأرض - يعني بعد وقوع الشرك - وإلا فقد سبقه أنبياء شيث وآدم. آدمٌ نبي، مكلم كما ثبت في الحديث [5] نبي إلى نبيه. وشيث كذلك، ولكن ما وقع الشرك في زمن آدم ولا في زمن شيث. ونوح أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد وقع الشرك وأول رسول بُعِثَ إلى نبيه وغير بنيه بخلاف آدم - عليه السلام - ما بعث إلا إلى بنيه.
فأول الأنبياء كسر هذه الأصنام ودًا، وسواعًا، ويغوث، ويعوق، بعث للنهي عنها، ثم انتقلت هذه الأصنام نفسها إلى العرب قبيل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -. ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، انتقلت إلى الغرب، كما ذكر
(1) - هذا الاسم هو ما اشتهر عند الفقهاء والمفسرين والمحدثين، وهو ليس من تسمية المؤلف نفسه، وإنَّما اختصار ممن أتى بعده. أما تسمية البخاري لصحيحه فقد ذكر ابن حجر في (هدي الساري) أنه سماه:"الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسنته وأيامه". وصاحب الصحيح هو: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، قدَّس الله روحه.
(2) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير برقم (4920) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:"صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح. . ."الحديث.
(3) - سورة يونس آية: 19.
(4) - انظر: تفسير ابن كثير للآية رقم 19 من سورة يونس، وكذا الآية رقم 213 من سورة البقرة.
(5) - الحديث عن أبي ذرٍ - رضي الله عنه - قال: قلت يا رسول الله ! أي الأنبياء كان الأول؟. قال:"آدم". قلت: يا رسول الله: ونبي كان؟ قال: نعم نبيٌ مكلم". قلت: يا رسول الله ! كم المرسلون؟ قال:"ثلاثمائة وبضعة عشر جمًا غفيرًا". انظر: مشكاة المصابيح، باب بدء الخلق وذكر الأنبياء، الحديث رقم (5737) . وأخرجه الإِمام في مسنده برقم (21036) عن أبي ذرٍ - رضي الله عنه -."