الصفحة 70 من 73

حتى قال أبو الفرج الجوزي في أول كتابه (الموضوعات) : (قل من يفهم هذا بل عدم والله أعلم) اهـ.

ثم إن أهل العلم بعدهم ـ أعني بهم من تأخر زمنه عن أولئك الأئمة ـ وبعد انتهاء مراحل جمع الحديث وتدوينه بالأسانيد وتمييز صحيحه من ضعيفه اتجهوا إلى دراسة ما تركه أولئك من تراث عظيم.

وكان من ضمن تراثهم طريقتهم في دراسة الحديث والحكم عليه فدرسوا مناهجهم في ذلك وحاولوا استخلاص ضوابط كلية تيسر عليهم التعامل مع الأحاديث أسانيدها ومتونها.

فوضعت هذه الضوابط أول ما وضعت تقريبًا لعلم أصول الحديث إلى أذهان الطلاب وتعريفًا لهم بطريقة السلف في التعامل مع الأحاديث تصحيحًا وتعليلًا [1] .

ثم ما لبثت هذه القواعد والضوابط أن جعلها بعض المعاصرين سيفًا يبارز به الأئمة الفحول من المتقدمين [2] فيصحح ما ضعفوه أو يضعف ما

(1) ومما يدل على ذلك أن عمدة كتب المتأخرين في المصطلح هو كتاب (مقدمة ابن الصلاح) ، وقد صرح ابن الصلاح بأن باب التصحيح والتضعيف قد أغلق ولا بد فيه من الاعتماد على أقوال المتقدمين فقط (المقدمة) ص 16،17.

(2) بالنسبة لعمل فضلاء المتأخرين كالنووي والذهبي وابن حجر والعراقي والسخاوي ونحوهم فإنهم وإن قعدوا تلك القواعد إلا أنهم لم يبارزوا بها أولئك الأئمة، فيصححوا ما ضعفوه أو يضعفوا ما صححوه. فقد قال الحافظ بن حجر ـ وهو من واضعي قواعد المصطلح ـ في (النكت) 2/ 726 ـ عند كلامه على تعليل للسلف لبعض الأحاديث ـ (وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين وشدة فحصهم وقوة بحثهم وصحة نظرهم وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك والتسليم لهم فيه) اهـ، وقال في حديث ظاهر إسناده الصحة قال عنه أبو حاتم (باطل) (التلخيص) 2/ 131: (لكن أبو حاتم إمام لم يحكم عليه بالبطلان إلا بعد أن تبين له) اهـ، وقال الذهبي في (الموقظة) ص 45 عند كلام له على بعض الرواة (وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث، فإن أولئك الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود عاينوا الأصول وعرفوا عللها وأما نحن فطالت علينا الأسانيد وفقدت العبارات المتيقنة) اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت