وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: إنك تقول للشئ هذا يصح وهذا لم يثبت فعمن تقول ذلك،. فقال: (أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك فقال هذا جيد وهذا بهرج أكنت تسأله عن ذلك أو تسلم الأمر إليه؟
قال: لا بل كنت أسلم الأمر إليه.
فقال: فهذا كذلك لطول المجادلة والمناظرة والخبرة.
وقد روي نحو هذا المعنى عن الإمام أحمد أيضًا، وأنه قيل له: يا أبا عبد الله تقول هذا الحديث منكر فكيف علمت ولم تكتب الحديث كله؟
قال: مثلنا كمثل ناقد العين لم تقع بيده العين كلها فإذا وقع بيده الدينار يعلم بأنه جيد أو أنه ردئ.
وقال ابن مهدي: (معرفة الحديث إلهام) .
وقال: (إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة) .
وقال أبو حاتم الرازي: (مثل معرفة الحديث كمثل فص ثمنه مائة دينار وآخر مثله على لونه ثمنه عشرة دراهم، قال: وكما لا يتهيأ للناقد أن يخبر بسبب نقده فكذلك نحن رزقنا علمًا لا يتهيأ لنا أن نخبر كيف علمنا بأن هذا حديث كذب وأن هذا حديث منكر إلا بما نعرفه) .
وبكل حال: فالجهابذة النقاد العارفون بعلل الحديث أفراد قليل من أهل الحديث جدًا وأول من اشتهر في الكلام في نقد الحديث ابن سيرين ثم خلفه أيوب السختياني وأخذ ذلك عنه شعبة وأخذ عن شعبة يحيى القطان وابن مهدي وأخذ عنهما أحمد وعلي بن المديني وابن معين وأخذ عنهم مثل البخاري وأبي داود وأبي زرعة وأبي حاتم، وجاء بعد هؤلاء جماعة منهم النسائي والعقيلي وابن عدي والدار قطني، وقل من جاء بعدهم من هو بارع في معرفة ذلك.