(بأنهم قوم لا يفقهون) أي: لا يفقهون عن الله خطابه ولايقصدون لفهمه ولايريدونه بل هم في شغل عنه ونفور منه فلهذا صاروا إلى ماصاروا إليه) [1] .
الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: (قالوا يا شعيبُ ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز) [2] .
هذه الآية احتج بها كل من عرف الفقه لغة بأنه الفهم، فلا يخلو مؤلَف في أصول الفقه إلا ويذكر مؤلِفُه هذه الآية لبيان أن الفقه هو الفهم.
قال أبو السعود: (( قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول) الفقه معرفة غرض المتكلم من كلامه أي: ما نفهم مرادك، وإنما قالوه بعد ما سمعوا منه دلائل الحق المبين على أحسن وجه وأبلغه وضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل فلم يجدوا إلى محاورته سبيلا سوى الصدود عن منهاج الحق والسلوك إلى سبيل الشقاء، كما هو ديدن المفحَم المحجوج يقابل البينات بالسب والإبراق والإرعاد، فجعلوا كلامه المشتمل على فنون الحكم والمواعظ وأنواع العلوم والمعارف من قبيل ما لا يفهم معناه ولا يدرك فحواه، وأدمجوا في ضمن ذلك أن في تضاعيفه ما يستوجب أقصى ما يكون من المؤاخذة والعقاب ولعل ذلك ما فيه من التحذير من عواقب الأمم السالفة ولذلك قالوا (وإنا لنراك فينا) فيما بيننا (ضعيفا) لا قوة لك ولا قدرة على شيء من الضر والنفع والإيقاع والدفع (ولولا رهطك) لولا مراعاة جانبهم لا لولاهم يمانعوننا ويدافعوننا (لرجمناك) [3] .
قال الإمام البيضاوي: (( قالوا يا شعيب ما نفقه) ما نفهم (كثيرا مما تقول) كوجوب التوحيد وحرمة البخس وما ذكرت دليلا عليهما، وذلك لقصور عقولهم وعدم تفكرهم، وقيل: قالا ذلك استهانة بكلامه، أو لأنهم لم يلقوا إليه أذهانهم لشدة نفرتهم عنه [4] .
(1) تفسير ابن كثير 2/ 404.
(2) سورة هود: 91.
(3) تفسير أبي السعود 4/ 235، 236.
(4) تفسير البيضاوي 3/ 256، 257.