في المتخلفين من الآيات الشداد استبق المؤمنون عن آخرهم إلى النفير وانقطعوا جميعا عن التفقه في الدين فأمروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة إلى الجهاد ويبقى سائرهم يتفقهون حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر، إذ الجهاد بالحجاج أعظم أثرا من الجهاد بالنصال [1] ، والضمير في (ليتفقهوا) للفرق الباقية بعد الطوائف النافرة من بينهم (ولينذروا قومهم) ولينذر الفرق الباقية قومهم النافرين (إذا رجعوا إليهم) بما حصلوا في أيام غيبتهم من العلوم وعلى الأول الضمير للطائفة النافرة إلى المدينة للتفقه) [2] .
ويظهر مما تقدم عنايةُ القرآن الكريم الفائقةُ بالفقه في الدين، كيف لا والفقه في الدين هو ثلث الأحكام الشرعية التي جاء بها ديننا، والآية لم تكتفِ بالأمر بالنفير إلى التفقه في الدين بل الامر بإنذار الغير وتعليمهم هذا الفقه، إذ تعلم الأحكام الشرعية لوحده تكون فائدته مقصورة على المتعلم نفسه، أما الفائدة الأعظم والأنفع هي تعليم الغير بعد العمل بهذا الفقه.
الآية العاشرة: قوله تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون) [3] .
قال الحافظ ابن كثير: هذا أيضا إخبار عن المنافقين أنهم إذا أنزلت سورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر بعضهم إلى بعض أي: تلفتوا هل يراكم من أحد ثم انصرفوا أي: تولوا عن الحق وانصرفوا عنه، وهذا حالهم في الدنيا لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يفهمونه ...
(1) أقول: وهذا عند وجود من يقوم بفرض الجهاد، أما عند عدم وجود من يقوم بفرض الجهاد أو عندما تستباح أرض الإسلام ومقدساته -كما هي الحال في زماننا- فالجهاد أفضل من طلب العلم إذا وجد من يقوم بواجب التعلم والتعليم.
(2) تفسير النسفي 2/ 114، 115.
(3) سورة التوبة: 127.