المذهب الثاني: إنكار الاستواء وهو مذهب المبتدعة من الجهمية، والمعتزلة وأضرابهم
ينكرون أن يكون الله عز وجل مستويًا على عرشه، ولهم في ذلك شبه:
الشبهة الأولى: قالوا يلزم من ذلك أن يكون الله محددًا.
الشبهة الثانية: قالوا يلزم من ذلك أن يكون الله عز وجل محتاجًا إلى العرش.
الشبهة الثالثة: قالوا يلزم من ذلك أن يكون الله عز وجل جسمًا.
فهذه ثلاث شبه لهم.
والجواب عن هذا ما يلي:
أما الشبهة الأولى: وهي قولهم أنه يلزم من ذلك أن يكون محددًا. فنقول: ما المراد بالحد؟ فإن كنتم تريدون بالحد أن الله عز وجل في جهة العلو، وأنه فوق خلقه مباين لهم، فهذا حق.
وإن أردتم بالحد أن الله عز وجل يحيط به العرش، فهذا باطل؛ لأن الله سبحانه وتعالى كبير - ضمن أسمائه الكبير والعظيم.
وأما الشبهة الثانية: وهي قولهم أنه يلزم من ذلك أن يكون الله محتاجًا للعرش. فنقول بأن هذا باطل. فإن استواء الله على العرش استواء يليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء، والاحتياج للعرش يكون بالنسبة للمخلوق، فالعرش لا يحمل الله ولا يقله، بل العرش محتاج إلى الله عز وجل.
وأما الشبهة الثالثة: وهي قولهم أنه يلزم من ذلك أن يكون الله جسمًا، فنقول: ما المراد بالجسم؟ - فهذا اللفظ لم يرد في الكتاب ولا في السنة لا نفيًا ولا إثباتًا- فإن أريد الذات الشريفة المتصفة بصفات الكمال، فهذا حق.
وإن أريد الذات أو الجسم المركب من اللحم والدم والعظام ونحو ذلك، فنقول: بأن هذا باطل.
واستواء الله على عرشه ورد في سبعة مواضع من القرآن.
قوله: [وأخبر الله سبحانه عن فرعون اللعين أنه قال لهامان: {ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ 36} أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لاَظُنُّهُ كَاذِبًا[1] وإنما قال ذلك لأنه سمع موسى - عليه السلام - يذكر أن ربه في السماء، ألا ترى إلى قوله: {وَإِنِّي لاَظُنُّهُ كَاذِبًا} يعني في قوله: إن في السماء إلهًا. وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف - رحمهم الله - لم يختلفوا في أن الله تعالى على عرشه،
(1) سورة غافر: الآية 37.