[وقال محمد بن جرير: (ولا قول في ذلك عندنا يجوز أن نقوله غير قوله: إذا لم يكن لنا فيه إمام نأتم به سواه، وفيه الكفاية والمقنع، وهو الإمام المتبَّعُ، رحمة الله عليه ورضوانه) [1] . هذه ألفاظ محمد بن جرير، التي نقلتها نفسها إلى ما ها هنا من كتاب"يد الاعتقاد"الذي صنفه.
قلت: وهو - أعني محمد بن جرير - قد نفى عن نفسه بهذا الفصل الذي ذكره في كتابه كل ما نسب إليه، وقذف به، من عدول عن سبيل السنّة، أو ميل إلى شيء من البدعة. والذي حكاه عن أحمد - رضي الله عنه وأرضاه: أن اللفظية جهمية، فصحيح عنه، وإنما قال ذلك لأن جهمي وأصحابه صرحوا بخلق القرآن، والذين قالوا باللفظ تدرجوا به إلى القول بخلق القرآن، وخافوا أهل السنة في ذلك الزمان من التصريح بخلق القرآن، فذكروا هذا اللفظ، وأرادوا به أن القرآن بلفظنا مخلوق، فلذلك سماهم أحمد - رحمه الله -جهمية وحكي عنه أيضًا أنه قال: (اللفظية شر من الجهمية) [2] ] .
ش:
قوله: [ولا قول في ذلك عندنا يجوز أن نقوله غير قوله]
يعني قول الإمام أحمد - رحمه الله - وهذا من تقدير السلف - رحمهم الله - للإمام أحمد، وبيان منزلته، وعظم شأنه، وأنه إمام من أئمة أهل السنة والجماعة.
قوله: [وإنما قال ذلك لأن جهمًا وأصحابه صرحوا بخلق القرآن والذين قالوا باللفظ تدرجوا به إلى القول بخلق القرآن]
هذا السبب الأول، فالسلف رحمهم الله شددوا في أمر اللفظية لسببين: هذا السبب الأول وهو أن جهمًا وأصحابه صرحوا بالقول بخلق القرآن، وأما اللفظية فهم لم يصرحوا بخلق القرآن، وإنما تستروا، وتدرجوا بهذا القول إلى القول بخلق القرآن فاعتبرهم الإمام أحمد بأنهم جهمية. فهم يوافقون الجهمية لكنهم يتسترون بدلًا من أن يصرحوا بأن القرآن مخلوق يقولون: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، وهم يقصدون بذلك أن القرآن مخلوق.
قوله: [وحكي عنه أيضًا أنه قال: اللفظية شر من الجهمية] .
لأنهم جمعوا بين بدعة الجهمية وهي انهم يقولون بأن القرآن مخلوق وبين الخداع والتستر، ولهذا قال الإمام أحمد: اللفظية شر من الجهمية.
(1) كتاب الاعتقاد لابن جرير الطبري ص28، 29 وفي النقل اختلاف يسير في الألفاظ.
(2) ذكر ذلك عنه ابنه عبد الله في كتاب (السنة ص29) وانظر سير أعلام ا لنبلاء 11/ 289.