صاحبه يسأله:
-لماذا ترتفع المقبرة عن الأرض المحيطة بها؟
فأجابه أبو الحسين وهو يتنهَّد:
-رب قبر قد صار قبرًا مرارًا ..
مستشهدًا بقول الشاعر، دون أن يأتي على الشطر الثاني من البيت.
ليذهب هذا اليوم .. فلعل هذه الزيارة تستطيع أن تغسل من قلبه صورة الفتاة ..
الفتاة ..
الفتاة ..
المريضة المسكينة التي كانت تتألم، تتوجع، تئن ..
وعادت الصور تعرض في مخيلته ..
لم تكن تقوى على النهوض، كانت تنظر إليه بعينيها الجميلتين وكأنها تستغيث ودمعة متوسلة من عصارة القلب تدحرجت على خدها ..
لقد أحب تلك الليلة .. أحب كل ما فيها ..
أحب الرذاذ المتساقط الذي أرسلته السماء برفق كأنها تخشى أن توقظ الأرض النائمة ..
والخادم الذي لم يرد أن يغادر دون أن يصحبه إليها ..
حتى جدران الغرفة، والسرير القرطبي الذي يقال أن أميرات الأندلس يستعملنه، والقناديل المتألقة .. والقدح الذي تناولت منه الدواء ..
ولم يشعر إلا وهو يقف على باب بيتها في نهاية سوق الخبازين، وكان الوقت قد قارب المغرب ..