الصفحة 16 من 118

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي:

خرج يسار من بيته الذي يحاذي النهر قبل نداء الفجر، وسار في طريقه إلى المسجد، هذه صفحة جديدة قد انفتحت في سجل الوجود، هذا يوم جديد، إنه يستمع إليه، وكأنه يتحدث حديث الروح للروح .. أنا يوم جديد، وعلى عملك شهيد فتزود مني .. فإني لا أعود إلى يوم القيامة.

كانت الريح باردة، وشديدة، تُمزِّق بعض الهدوء المخيِّم على الكون وقد أحاطت بالقمر دائرة بيضاء واسعة تحميه من هوج الرياح. وانطفأت بعض الفوانيس، وما بقي منها أخذ يعاني أنفاسه الأخيرة.

كان يسير ولسانه لا يفتر عن ذكر الله، كان يشعر بجلال هذا المنظر وبرهبة تسري في كيانه .. أنه يذكِّره بالآخرة .. كل شيء في هذا الوقت يذكِّره بالآخرة، حتى الحارس الذي انزوى في الركن القصي من الزقاق وقد التف بعباءته وكوَّم نفسه على دكة بيت القاضي. البيوت الساكنة الساكتة، والنوافذ المغلقة، والشارع الصامت ..

وترامى إلى سمعه من جهة النهر، صوت فتى ركب زورقًا، وراح يضرب بمجدافه ويغني غناء حزينًا تتجاوب أصداؤه مع أمواج النهر، وتحمله الريح الباردة، ويستمع إليه الكون في صمت خاشع. كان يردد على أوتار قلبه المعنى: (( يا رب يا عالمًا بالسر يا ربي ) )يردد هذا الشطر كثيرًا، ثم يتبعه بشطر آخر لم يتبين يسار من كلماته إلا الكلمة الأخيرة (( ... ذنبي ) ).

ومضى يسار يستمع إلى حديث الفجر، المُضمَّخ بأنفاس الآخرة، وتعجَّب كيف ينام الناس في هذا الوقت؟ كيف لم ينهضوا فيرتشفوا من سر الصباح حياة تعمر حياتهم، ونورًا يضيء نفوسهم وحكمة تضعهم على باب الحقيقة الخالدة، التي كتب عليها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت