لكن في أمور دنياهم ما يحتجون بالقدر، لو جاء إنسان وضربه ما يقول: هذا مقدر ويسكت؟! يطالب بحقه، لو جاء إنسان وأخذ ماله يطالب بحقه ما يسكت، لو جاء إنسان وقطع عضوًا منه ما يسكت ما يقول: هذا مقدر، فيقال له: أنت متناقض.
أما إن كان القدر حجة فدع كل شيء يفعل بك وبغيرك وإن لم يكن حجة بطل أصل قولك، لماذا تحتج به في أمور الدين ولا تحتج به في أمور الدنيا نعم.
الذين يحتجون بما يناسبهم
وأصحاب هذا القول الذين يحتجون بالحقيقة الكونية لا يطردون هذا القول ولا يلتزمونه، وإنما هم يتبعون آراءهم وأهوائهم كما قال فيهم بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري مذهبي، أيّ مذهب وافق هواك تَمذْهَبْتَ به.
يعني: أنهم لا يطردون لا يستمرون ويحتجون به في كل شيء، بل يحتجون به فيما يناسبهم ولا يحتجون به فيما لا يناسبهم، إذا أرادوا ترك الأوامر وفعل النواهي احتجوا بالقدر، وإذا أرادوا المطالبة بحقوقهم الدنيوية احتجوا به فصاروا متناقضين نعم.
الذين يدّعون التحقيق والمعرفة
ومنهم صنف يدّعون التحقيق والمعرفة، ويزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه أفعالا وأثبت له صفات ، أما من شهد أن أفعاله مخلوقة أو أنه مجبور على ذلك، وأن الله هو المتصرف فيه كما يحرك سائر المتحركات فإنه يرتفع عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد.
وقد يقولون: من شهد الإرادة سقط عنه التكليف، ويزعمون أن الخضر سقط عنه التكليف لشهوده الإرادة، فهؤلاء يفرقون بين العامة والخاصة.
هذا الصنف الثالث يقسمون الناس إلى قسمين: قسم عليهم تكاليف، وقسم ما عليهم تكاليف، فالقسم الذي عليهم التكاليف الذين أثبتوا أفعالا لأنفسهم، وأثبتوا الصفات لأنفسهم، هؤلاء يسمون أهل الشريعة لهم تكاليف لهم أوامر ولهم نواهي يجب عليهم أن يلتزموا بالشريعة .
والقسم الثاني الخاص الذين لم يثبتوا لأنفسهم أفعالا ولا صفاتا، بل جعلوا أفعالهم هي أفعال الله، وشهدوا إرادة الله، يشهدون الإرادة أي: يشهدون إرادة الله الكونية فقط، وينسون أنفسهم حتى أن صفاتهم وأفعالهم يجعلونها صفات الله ... تسقط عنهم التكاليف، ما تكون عليهم تكاليف لا أوامر ولا نواهي يفعلون ما يشاءون ، يقولون: الناس ينقسمون إلى قسمين: عامة وخاصة .