كما أن الإنسان مقدر عليه الجوع، لكن هل يستسلم للجوع ولا يأكل؟! يأكل، فالجوع مقدر والشبع مقدر والأكل مقدر، فأنت تدفع قدرا بقدر، والبرد مقدر لكن تستسلم للبرد ولا تستدفئ؟! تستدفئ، هذا قدر وهذا قدر، فكذا إن وقع في المعصية لا تستسلم للمعصية، تب إلى الله، إذا وجدت أحدا يعمل معصية تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، ما تقول:"هذا مقدر"وتسكت. كل شيء مقدر، الشيء وضده كلاهما مقدران كما في الحديث:"إن الدعاء والبلاء ليعتلجان"والدعاء مقدر والبلاء مقدر، جميعا مقدران. ومع ذلك أنت مأمور بالدعاء. نعم.
المرتبة الثانية بعد الاتحادية
وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية وهي ربوبيته -تعالى- لكل شيء، ويجعلون ذلك مانعا من اتباع أمره الديني الشرعي على مراتب في الضلال، فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقا عاما ويحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة .
هؤلاء في المرتبة الثانية بعد الاتحادية، الاتحادية يتجاوزون، هذا يتجاوزون الحقيقة الكونية، فيجعلون أنفسهم هم الخالقون وهم المخلقون، ثم تأتي الغلاة الذين يحتجون يشهدون الحقيقة الكونية، يحتجون بالقدر في كل شيء يخالفون فيه الشريعة هؤلاء في المرتبة الثانية. نعم هذا الوصف الثاني نعم.
الذين يحتجون بالقدر في كل شيء متناقضون
وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى، وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا: { لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ } (1) { وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ } (2) وهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضا، بل كل من احتج بالقدر فإنه متناقض فإنه لا يمكنه أن يُقر كل آدمي على ما يفعل.
فلا بد إذا ظلمه ظالم أو ظلم الناس ظالم وسعى في الأرض بالفساد، وأخذ يسفك دماء الناس ويستحل الفروج ويهلك الحرث والنسل ، ونحو ذلك من أنواع الضرر التي لا قوام للناس بها أن يدفع هذا القدر، وأن يعاقب الظالم بما يكف عدوانه وعدوان أمثاله.
فيقال له: إن كان القدر حجة فدع كل أحد يفعل ما يشاء بك وبغيرك، وإن لم يكن حجة بطل أصل قولك: إن القدر حجة .
يعني: أن هؤلاء الذين يحتجون بالقدر في كل شيء متناقضون لا يستطيعون أن يحتجوا بالقدر في كل شيء، بل هم يحتجون به في أمور الدين إذا تركوا الواجبات احتجوا بالقدر، يفعلون المحرمات احتجوا بالقدر.
(1) - سورة الأنعام آية: 148.
(2) - سورة الزخرف آية: 20.