الذين يشهدون الحقيقة الكونية من الصوفية وغلاة الصوفية، قد يغلون حتى يصلوا إلى القول بوحدة الوجود، نعوذ بالله ونسأل السلامة والعافية، يعني: يشهد بربوبية الله في كل شيء، وأن قدرته نافذة في كل شيء، وأنه لا خروج له عن إرادة الله، ثم يصل به الحال إلى أنه يتجاوز هذا، فيرى نفسه أنه هو الله، وأنه هو الخلق وهو المخلوق، وهو العبد وهو المعبود، تجاوز الحقيقة الدينية، وهو يتجاوز الحقيقة الدينية، وهؤلاء الكفرة -والعياذ بالله- هم الغاية في الكفر نسأل الله السلامة والعافية، الذين يقولون بوحدة الوجود، وسبب ذلك غلوهم في شهود الحقيقة الكونية.
وهناك قسم آخر ممن شهد الحقيقة الكونية، يحتج بالقدر في كل شيء، وكل شيء يخالف فيه الشريعة يحتج بالقدر احتجاجا مطلقا عاما. وهناك طائفة ثالثة، يرون أن الشريعة والتكاليف لازمة لمن أثبت لنفسه صفات، وأثبت لنفسه فعلا. فمن أثبت لنفسه أفعالا، وأثبت لنفسه صفات -فالتكاليف لازمة له، أما من شهد الإرادة -إرادة الله الكونية-، ولم يجعل لنفسه صفات ولا أفعال -فإنه يسقط عنه التكليف.
فيقسمون الناس إلى قسمين: قسم خاصة، وقسم عامة. فالعامة عليهم التكاليف، عليهم الأوامر والنواهي، والصلاة والصوم، والخاصة الذين شهدوا الإرادة الكونية، وألغوا صفاتهم وأفعالهم، وجعلوها صفة لله، تسقط عنهم التكاليف.
وهناك قسم رابع من الذين يحتجون بالقدر، يؤدون الواجبات وينتهون عن المحرمات، إلا أنهم يتركون الأسباب الشرعية، الأسباب الذين أمروا بها شرعا، وهذا نقص عظيم، قد تكون الأسباب واجبة وقد تكون مستحبة.
وهناك قسم خامس يفعلون الواجبات لكن يتركون المستحبات، فهؤلاء يحصل لهم نقص عظيم، ويفوتهم خير عظيم من الثواب ومن الأجر.
وهناك قسم سادس يشتغلون بما يحصل لأحدهم من بعض خوارق العادات، إما مكاشفة أو استجابة دعاء، فيشتغلون بذلك عما أمر به من عبادة الله وشكره، هذه أقسام الناس الذين يحتجون بالقدر، وسيبينهم المؤلف رحمه الله، نقرأ الآن.