يعني: الإنسان ما يستسلم للقدر، بل يتوب إلى الله، فإذا استسلم صار موافقا للمشركين الذين يحتجون بالقدر، يقول:"لو شاء الله احتجوا بالمشيئة". { لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا } (1) نعم.
الرضا بالقضاء والقدر
وقالو: { أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ } (2) وقالوا: { لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ } (3) ولو هدوا لعلموا أن القدر أمرنا، أن نرضى به، ونصبر على موجبه في المصائب التي تصيبنا، كالمرض والفقر والخوف، قال الله -تعالى-: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } (4) قال بعض السلف..
هكذا يصبر الإنسان على المصائب، ويرضى بما قضى الله وقدر، ويفعل الأسباب المشروعة. نعم.
القصة التي وقعت بين آدم وموسى
قال بعض السلف:"هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم". وقال -تعالى-: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ } (5) .
وفي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، فهل وجدت ذلك مكتوبا علي قبل أن أخلق؟ قال: نعم. قال: فحج آدم موسى.".
وآدم -عليه السلام- لم يحتج على موسى بالقدر، ظنا أن المذنب يحتج بالقدر، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل، ولو كان هذا عذرا،ً لكان عذرا لإبليس وقوم نوح وقوم هود، وكل كافر، ولا موسى لام آدم أيضا لأجل الذنب، فإن آدم قد تاب إلى ربه فاجتباه وهداه، ولكن لامه لأجل المصيبة التي لحقتهم بالخطيئة؛ ولهذا قال:"فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟"فأجابه آدم:"إن هذا كان مكتوبا علي قبل أن أخلق"فكان العمل والمصيبة المترتبة عليه مقدرا، وما قدر من المصائب يجب الاستسلام له، فإنه من تمام الرضا بالله ربا.
(1) - سورة الأنعام آية: 148.
(2) - سورة يس آية: 47.
(3) - سورة الزخرف آية: 20.
(4) - سورة التغابن آية: 11.
(5) - سورة الحديد آية: 22-23.