والعبودية التي يمدح الإنسان ويثنى عليه، هي العبودية الخاصة، التي تكون عن اختيار وعن طوع، أما العبودية بمعنى العبودية العامة، هذه لا يذم فيها أحد، ولا يمدح فيها أحد؛ لأن الناس كلهم مشتركون فيها، مؤمنهم وكافرهم، كل الناس عبيد لله بمعنى العبودية العامة، فالعبودية نوعان: عبودية عامة، وعبودية خاصة. واضح؟
فالعبودية العامة: شاملة لجميع المخلوقين، لا يخرج عنها أحد، وليس لأحد اختيار، ولا يستطيع أحد أن يخرج عنها، بمعنى أنه ينفذ فيه قدرة الله ومشيئته، أما العبودية الخاصة، فهي العبودية التي تصدر عن اختيار الإنسان ورغبته، يعبد الله باختياره، يمتثل أوامر الله، يوحد الله، يخلص العبادة لله، يؤدي فرائض الله، ينتهي عن محارم الله، يمتثل أمر الله، يمتثل أمر رسوله، يوالي في الله، يعادي في الله، وهكذا. نعم.
ولهذا بين المؤلف -رحمه الله- قال:"فهو -سبحانه- رب العالمين وخالقهم، ورازقهم ومدبرهم، ومحييهم ومميتهم، ما أحد يخرج عن هذا، مقلب قلوبهم، مصرف أمورهم". وهل أحد يخرج عن هذا؟! قال: { أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) } (1) ولكن أهل الإيمان علموا بذلك واعترفوا به، أما الجاهل أو الجاحد المستكبر على ربه، هذا لا يقر ولا يخضع، لكن هو معبد، سواء اعترف أو ما اعترف، وسواء علم أو لم يعلم، وسواء أقر أو لم يقر، لكن إذا عرف واستكبر عن عبادة الله -تكون هذه المعرفة عذابًا عليه.
كما قال الله -تعالى- عن فرعون وقومه: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } (2) { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا } (3) الآيات التي جاءتهم، جحدوا مع النصوص المستيقنة ظلما وعلوا { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) } (4) وقال عن اليهود: { الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ } (5) يعني: الرسول -عليه الصلاة والسلام- { كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } (6) يعرفونه أنه رسول الله، لكن ما آمنوا، هل تنفع المعرفة هذه؟!
(1) - سورة آل عمران آية: 83.
(2) - سورة النمل آية: 14.
(3) - سورة النمل آية: 14.
(4) - سورة النمل آية: 14.
(5) - سورة البقرة آية: 146.
(6) - سورة البقرة آية: 146.