كما قال -تعالى-: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) } (1) وقال -تعالى-: { الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) } (2) وقال -تعالى-: { فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) } (3) .
هذا فيه بيان أن العبد له معنيان: عبد بمعنى المعبد، وعبد بمعنى العابد، فالعبد بمعنى المعبد: يعني الذي عبده الله، فذلله ودبره وصرفه، تنفذ فيه مشيئة الله وقدرته، هذا يشمل جميع المخلوقين. جميع المخلوقين كلهم عباد الله، سواء كانوا أبرارا أو فجارا، وسواء كانوا مؤمنين أو كفارا، سواء عرفوا أو لم يعرفوا، سواء اعترفوا أو جحدوا، كلهم عبيد الله، بمعنى أن الله دبرهم وصرفهم، ونفذت فيهم قدرته ومشيئته، ما أحد يخرج عن قدرة الله.
مثلا: هل أحد يمتنع عن الموت؟ هل أحد يمتنع عن المرض الذي يصيبه؟ هل أحد يمنع ما أراده الله من الأمطار أو غيرها؟ ما أحد يستطيع هذا، إذن كل الناس عبيد لله بمعنى العبودية، هذه العبودية العامة، كل الناس: مؤمن وكافر، بر وفاجر، هذا عابد بمعنى المعبد، يعني: مذلل مقهور تنفذ فيه قدرة الله ومشيئته، رضي أو لم يرض، شاء أو لم يشأ، علم أو لم يعلم، اعترف أو أنكر، كله عبد لله: { إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) } (4) .
القسم الثانى: العبد بمعنى العابد الذي عبد الله باختياره، فأطاع أمره وأمر رسوله، ووالى أولياءه وعادى أعداءه باختياره، هذا عبد الله على الحقيقة، هذه هي العبودية الخاصة، هي العبودية النافعة التي من حققها أثابه الله، أما العبودية العامة: فهذه بدون اختيار، بدون اختيار الناس، بدون اختيار المخلوقين، فهم عبيد لله بدون اختيارهم، ليس لهم خروج عن عبودية الله العبودية العامة.
أما العبودية الخاصة: فهو أن تعبد الله باختيارك: تصلي تصوم تزكي تصوم، تؤدي فرائض الله، تنتهي عن محارم الله، تطيع أمر الله وتطيع أمر رسوله، تطيع أولياء الله، تعادي أعداء الله باختيارك.
(1) - سورة النمل آية: 14.
(2) - سورة البقرة آية: 146.
(3) - سورة الأنعام آية: 33.
(4) - سورة مريم آية: 93.