أما من ظن حسبك الله ومن اتبعك، يا أيها النبي حسبك الله والمؤمنون -فيكون هذا غلطا فاحشا؛ لأن معنى حسبك الله يعني: الله والمؤمنين يكفونك يا رسول الله. هذا غلط فاحش. الحسب خاص بالله { حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) } (1) يعني: يكفيك الله ويكفي اتباعك. ليس المعنى: أن الله والمؤمنين يكفونك يا محمد، كما يظنه بعضهم. هذا غلط فاحش نبه عليه المؤلف رحمه الله. { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) } (2) يعني: حسبك الله. الحسب معناه: الكفاية، حسبك وحسب اتباعك. نعم.
معاني العبودية
وتحرير ذلك أن العبد يراد به المعبد، الذي عبده الله فذلله ودبره وصرفه، وبهذا الاعتبار فالمخلوقون كلهم عباد الله، الأبرار منهم والفجار، والمؤمنون والكفار، وأهل الجنة وأهل النار، إذ هو ربهم كلهم ومليكهم، لا يخرجون عن مشيئته وقدرته، وكلماته التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر، فما شاء كان وإن لم يشاءوا، وما شاءوا إن لم يشاءه لم يكن، كما قال -تعالى-: { أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) } (3) فهو -سبحانه- رب العالمين وخالقهم، ورازقهم ومحييهم ومميتهم، ومقلب قلوبهم ومصرف أمورهم، لا رب لهم غيره ولا مالك لهم سواه، ولا خالق لهم إلا هو، سواء اعترفوا بذلك أو أنكروه، وسواء علموا ذلك أو جهلوه، لكن أهل الإيمان منهم عرفوا ذلك وآمنوا به، بخلاف من كان جاهلا بذلك أو جاحدا له، مستكبرا على ربه، لا يقر ولا يخضع له، مع علمه بأن الله ربه وخالقه، فالمعرفة بالحق إذا كان مع الاستكبار عن قبوله والجحد له، كان عذابا على صاحبه.
(1) - سورة الأنفال آية: 64.
(2) - سورة الأنفال آية: 64.
(3) - سورة آل عمران آية: 83.