(أبن لنا) : يعني: وضح لنا، والتبيين هو: التوضيح. فأجابهم فقال: (قلت الصفات لذي الجلال السرمدي) يعني: أنا أثبت الصفات لله فبين أنه يثبت الصفات بعد أن بين في القاعدة السابقة أنه ينفي الشبيه.
-الإخبار عن الله بالسرمدية:
(لذي الجلال السرمدي) الله هو ذو الجلال والإكرام، وقوله (السرمدي) يعني: هو الدائم في طرفي الزمان. لأن الزمان له طرفان، ماضٍ ومستقبل، فالسرمدي يعني: الذي يدوم في طرفي الزمان، أي: الذي يدوم في الأزل ويدوم في الأبد. لكن تسمية الله تعالى بأنه (السرمدي) أو بأنه (أزلي) هذه التسميات لم ترد في الكتاب ولا في السنة، وعندنا قاعدة في الأسماء والصفات وهي: أننا لا نثبت لله تعالى اسمًا ولا صفة إلا إذا دل عليها الكتاب والسنة، والكتاب والسنة لم يصفا الله بأنه سرمدي إنما وصفاه بأنه الأول والآخر، فنقول: إن هذا ليس من باب وصف الله تعالى، إنما هو من باب الإخبار عن الله، ولا بد في الإخبار عن الله أن يكون ما يخبر به عن الله معناه موافق لما أثبته الله تعالى لنفسه، وهنا أخبر عن الله بأنه هو السرمدي، وهي صفة معناها ثابت في كتاب الله؛ لأن الله تعالى يقول: (هو الأول والآخر) يعني هو الدائم فليس يلحقه فناء وهو الأول لم يسبقه عدم، هذا هو المعنى الذي يريده هنا، لكن ومع ذلك فإن التعبير بالألفاظ الشرعية هو الأولى.
-الجمع بين النفي والإثبات في باب الصفات:
ويلاحظ من تركيب هذه الأبيات أنه نفى الشبيه ثم أثبت الصفات جريًا منه على طريقة الآية الكريمة: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فنفى المشابهة ثم أثبت الصفات، وكذلك الناظم أراد أن يقرر ذلك فبدأ بنفي الشبيه ثم بعد ذلك أثبت الصفات لله . كان في السابق هذه الآية مكتوبة على جدار الكعبة (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فبعض الجهمية لما رأوا هذه الآية مكتوبة على جدار الكعبة كره ذلك وود لو أنه كتب: (ليس كمثله شيء) لأن طريقتهم تحريف نصوص الصفات، وعدم إثباتها لله لأنه يلزم منها التشبيه في زعمهم ولو أمعنوا النظر لأثبتوا الصفات لأن إثباتها لا يقتضي التشبيه ولذا كان بعض الفلاسفة والباطنية وبعض من ضل في باب الأسماء والصفات يصف الله بالنفي ولا يصفه بالإثبات، يقول: ليس كذا وليس كذا ويقول: لا تحويه الجهات ولا يدركه شيء، وليس فوق العالم ولا تحت العالم ولا عن يمين العالم ولا عن يسار العالم، ويجعل الصفات كلها صفات نفي دون إثبات، وقد قال أهل العلم: إن من قال ذلك فقد شبه الله - وهو لا يشعر- بالمعدومات والله تعالى يقول: (ليس كمثله شيء) ، فلا يشبه الله تعالى لا بالموجودات ولا بالمعدومات، فهؤلاء شبهوا الله تعالى بالمعدومات لأنهم لا يثبتون له الصفات، فجاءت طائفة -لما قيل هذا القول-