الحديث إذا حدّث به نشغ نشغة أي شهق شهقة حتى يكاد يغمى عليه رضي الله عنه و أرضاه، و قد أخذ بعضهم هذا المعنى فقال:
و عالمًا بعلمه لا يعملن ... معذب من قبل عباد الوثن
المسألة الثالثة: الدعوة إليه:
فبعد العلم و العمل الدعوة و كما قلنا لا يصح العمل بلا علم فمن باب أولى الدعوة و العلم هو زاد الداعية إلى الله عز و جل ولذا قال الله تعالى لنبيه: (قُلْهَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) أي على علم و برهان لا على جهل (أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) يعني من اتبعني ينبغي أن يكونوا كذلك من أهل البصير و العلم (وَسُبْحَانَاللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(108 ) ) و لهذا قبل أن يأمر الله عز وجل نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالإنذار أمره بالعلم فقال: (اقرأ) و هو أول أمر نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما قرأ جاءه الأمر الثاني لينذر بما قرأ: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1) قُمْ فَأَنْذِرْ) فلابد من العلم، و لابد من العمل، و لابد من الدعوة، و الداعية بجهل لا يغني شيئًا لأن فاقد الشيء لا يعطيه، و من السؤالات التي تطرق كثيرًا:
س: هل أشتغل بالعلم أو أشتغل بالدعوة؟
و جوابه أن يقال اشتغل بهذا و بهذا كما فعل الرسول عليه الصلاة و السلام و لا تنتظر أن تحصل على العلم كله فالعلم بحر لا ساحل له و مهما أخذت منه فإنه كما يقال كلما اتسعت دائرة معلومك اتسعت دائرة مجهولك، و لا يستطيع الإنسان أن يأتي على العلم كله أو أكثره بل يتنور بقدر ما يهبه الله عز و جل من السعة و القدرة و المواهب و الطاقات و الحفظ و التدارس و يوفقه للعلماء و للطريق الصحيح، و بهذا يعلم أن العلم و الدعوة متلازمان اقرأ و أنذر متلازمان كلما قرأت فبلغ به (وَأَنْذِرْبِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ) أنت لا تكلف أن تأمر و تدعو بما لم تعلم، و لكن إذا علمت فأنت مكلف أن تأمر وهذا مفهوم من قوله - صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان) ، و قوله - صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) فإذا علمت و استفدت شيئًا فأنذر به و بلغ به و ادع إليه، و ما جهلته فلا تكلف بالدعوة إلى ما تجهل و لهذا كلما اتسع حظك من اقرأ اتسع الواجب من أنذر، فالمسألة كما يقال قياس مطرد كلما تعلمت زادت المسؤولية و التبعة و لا تكلف أنت